الحد بين السب والنقد!

الأربعاء 8 يناير 2020
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO- محمد أبويهدة

السب.. هو كلام قبيح يصدر ضد شخص معين بما يعيبه قصد الإهانة بعبارات جارحة والتحقير.
النقد.. هو تبيان الحسن والرديء في الشيء أو الشخص وإظهار عيوبه ومساوئه وسلبياته لإصلاحها.

«الضبع».. منذ القدم اقترن اسم هذا الحيوان بالغباء، رغم أن سلوكه ينم على عكس ذلك. ورغم بشاعته لم يكن المغاربة ينظرون إلى خلقته بل إلى «مخه»، الذي صار أداة نادرة تستعمل أيضا في الشعوذة، قبل أن يتحول إلى أسلوب لنقد نظامنا التربوي مع السوسيولوجي الكبير محمد جسوس رحمه الله، عندما انتقد النظام وقال إنه يسعى إلى خلق جيل من الضباع من خلال منظومة تربوية مصنوعة على المقاس. ورغم أن نقد محمد جسوس لم يكن سوسيولوجيا صرفا بل كان ينهل من السياسة ومن الانتماء للمدرسة الاتحادية، التي كانت تمثل الواجهة الأولى لمعارضة النظام سنوات الرصاص، إلا أن تحليله كان موضع إجماع من طرف الجامعيين والمثقفين والنخبة السياسية.

وإذا كان المشعوذ يستعمل مخ الضبع لجعل الرجل تابعا للمرأة يأتمر بأوامرها ويحقق طلباتها، أو هكذا اشتهر في الأساطير الشعبية، فإن نفس الرمزية (التبعية) يمكن إسقاطها على الحقل السوسيولوجي، الذي نقل إليه جسوس تشبيهه الشهير، الذي يلمح إلى خلق جيل تابع يتم تغييب حسه النقدي، وقتل استخدام ملكة العقل، التي وهبه إياها الله، والتي من المفروض على المدرسة أن ترعاها وتصقلها.

انتقد جسوس النظام لاعتبارات عديدة كان أولها أزلية الصراع السياسي بين الملكية وجزء كبير من قوى اليسار في مرحلة معينة من تاريخ المغرب، وهي صفحات طويت على أي حال.
لكن ماذا إن كان المجتمع نفسه اليوم هو الآلة الجديدة لصناعة جيل جديد من الضباع أكثر شراسة، بدون أسلحة معرفية حقيقية، يواجه إحباطاته بقاموس كبير من السب والشتم؟
على الأقل مع جسوس وباقي النخبة، التي انقرضت بفعل عامل الزمن، كان السلاح الأساسي لخوض هذه الحرب هو الحس النقدي، الذي تميز به هذا الجيل وتلامذته. لكن أي سلاحه يمتلكه جيل اليوم؟

لا يمكن إسباغ نوع من التعميم على الجواب، لكن ما نسعى إلى انتقاده هو لغة السب والشتم الجارح التي تعكس حجم الحقد والكراهية التي تعمي البصيرة.
حالات كثيرة لسب وشتم الأشخاص والمسؤولين والسياسيين والمؤسسات بكلام بذيء انتشرت مؤخرا، لا سيما لدى شبان من ضحايا السياسات العمومية، لكن أيضا وبالخصوص من ضحايا تراكم الإحباطات والفشل الذاتي. وسائل التواصل الاجتماعي زادت من الانتشار الواسع لهذا النوع من «التخاطب» باستعمال المعجم الرديء.

اليوم تحاول هذه المواقع بث الكثير من المغالطات كالعادة، إذ بعد الأخبار الزائفة التي تعمد من خلالها إلى صناعة نوع معين من الرأي العام، هي اليوم تحاول تقديم الأشخاص الذين تتم إدانتهم، بسبب سب المؤسسات، في صورة مناضلين وأبطال في وجه النظام، علما أن هؤلاء الشباب هم أنفسم ضحايا تنميط معين يتم الترويج له ويسعى إلى تشكيل «هدف» يسهل التسديد نحوه بعد سلسلة من القصف الذي يؤدي إلى تسفيه الهدف وتحويله إلى مرمى للسب والشتم كمرحلة ثانية، يفقد خلالها مكانته ووجاهته، وهي تقنية تم استعمالها مع عدد من الشخصيات والمؤسسات بل استهدفت الوطن في أحيان أخرى.

جزء من الهيئات الحقوقية بدورها أصبحت تصنف، لأول مرة في التاريخ، السب والشتم ضمن خانة أسمى أنواع الحريات والحقوق، وهي حرية التعبير، وذلك باعتباره حقا من حقوق الإنسان، أي أن لكل شخص الحق في الشتم، وأن يمارس حريته في السب تحت حماية الهيئات الحقوقية، رغم أن كل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تخلو من هذا التصنيف، في الوقت الذي يذهب القانون في كل دول العالم إلى تجريمه والمعاقبة عليه.

الأكيد أنه ليس هناك شخص فوق النقد فكل مسؤول أو منتخب أو إدارة أو مؤسسة تدبر الشأن العام وعلى علاقة بالمواطنين هي خاضعة بقوة القانون والدستور للمحاسبة، ولكل الحق في النقد الذي يسعى إلى الإصلاح والبناء على أساس أن يكون الناقد والمنتقد يمتلك الأدوات التي تمكنه من تبيان السلبيات والمؤاخذات والاختلالات.
المتهمون في بعض قضايا السب التي وصلت إلى القضاء وتمت فيها الإدانة هم ضحايا التنميط الذي أشرنا إليه، والذي يصنع في وسائل التواصل الاجتماعي، منهم قاصرون جرفتهم الحماسة فوق حدود القانون، كان من المفروض أن نحتضنهم وترعاهم الأسرة والمدرسة والمجتمع للحيلولة دون تركهم في مواجهة إحباطاتهم الذاتية، التي تجعلهم يلعنون الناس ويكرهون ذواتهم، ويسلمون ظهورهم لمحترفي «الركمجة».

تعليقات الزوّار (0)