ليلى ونور وجوهرة والذئاب !

الأربعاء 19 فبراير 2020
بقلم: المختارلغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

أقسى ماقد يقع لك في بلاد مثل المغرب هو أن تولد أنثى

أسوأ ماقد يحدث لك، هو أن تجد نفسك في مجتمع يعتبرك ناقص عقل ودين، ويعتبرك "ضلعة عوجا"، ويعتبرك ماكرة تكيدين له الكيد العظيم ليلا ونهارا، ويعتبرك "سحارة" وتختطفين الرجال، ويعتبرك موؤودة لم يعد من الممكن قتلها بكل فظاعة الجاهلية كما في السابق، لكن يمكن اغتيالها عشرات المرات يوميا بالألفاظ الساقطة والسباب والشتائم المنتمية لعوالم تحت الحزام...

لاأعرف الشابة المسماة ليلى التي تجمعها مع محام بيضاوي قصة تهز الرأي المغربي هاته الأيام، إلا من خلال ماقرأت عنها أو سمعت أو شاهدت في الجرائد وفي مواقع التواصل وفي المواقع الملقاة على عواهن الوقت الصحفي الميت المسماة مواقعنا الإعلامية البئيسة.

لاأعرف عن ليلى، إلا أنها أتت يوم الإثنين إلى زجرية البيضاء حاملة بين أيديها صغيرة بريئة كانت تلعب بميكروفونات وسائل الإعلام المقتاتة على آلام الناس، دون أن تدري أنها هي وأمها الضحيتان الأساسيتان في كل هذا الهراء الدائر أمامنا يقدم نفسه فرجة قاسية ووقحة بكل صفاقة الكون..

هل أخطأت ليلى حين ذهبت رفقة المحامي إلى منزله مرات عديدة وحين سافرت رفقته مرات عديدة وحين تقاسمت معه لحظات المتعة الغريزية مرات عديدة؟

لا أملك الجواب، ولست من الملائكة المزيفين الذين يستطيعون بكل سهولة أن يوزعوا صكوك الغفران على الناس، وأن يقولوا لهذا "أخطأت"، وللآخر "أصبت". لا أستطيع ذلك ولا أتقنه. الحس الإنساني الآدمي العادي الضعيف القاطن في دواخلي، يمنعني من أن أعطي للناس الدروس. أفضل عوض ذلك أن أعطي دروسا عديدة لنفسي وأن أكتفي...

لذك لا أستطيع أن أقول إن ليلى أخطأت أو أن أقول إن المحامي أخطأ أو أن أدعي أن زوجته في غمرة حماسها للدفاع عنه تواصل الخطأ وتصر عليه، وتجد من ينصرها عليه.

ماأستطيع قوله بكل اطمئنان هو أنه من المحزن، ونحن في سنة 2020 أن يوجد من بيننا من لازال على الاعتقاد الجاهلي القديم ذاته: للرجل الحق في الخطأ ماشاء له الإله أن يفعل، وسنسمي ذلك "نشاطا وزهوا ومرحا ولعبا ودليل فحولة"، وللمرأة الحق في الموت فقط. أو إذا ما حاولت هي الأخرى أن تحيا حياتها الحق في أن نسميها العاهرة الساقطة اللعينة، اللعوب، البائعة شرفها في كل الأماكن، التي تستحق كل ماقد يقع عليها من لعنات..

لازلنا على الاعتقاد الجاهلي ذاته الذي يتيح للذكور في المجتمع كل شيء، والذي يحرم على الإناث كل شيء.

لازلنا ونحن في هاته السنة المتقدمة من عمر الإنسانية لانجد أي حرج، سواء كنا محامين أو أطباء أو مهندسين أو صحافيين أو أناسا من حرف أخرى مختلفة، أن نصطف جماعة ضد امرأة عزلاء وحيدة، تعرف أنها حين تقرر الصراخ، وحين تقرر المواجهة، وحين تقرر المطالبة بحقها ستخسر بالتأكيد كل شيء…

ليلى ونور ليستا أول نموذج نحياه في هاته الحكاية المؤلمة للغاية. قبلهما رأينا، وسمعنا، وعرفنا، وعايشنا العديدات ممن اعتقدن أن لا حق لهن بعد اليوم في الصمت، وفي القبول بعقلية الجاهلية الذكورية، والنتيجة كانت ماذا؟

أدين ثمنا غاليا من سمعتهن ومن شرفهن ومن ارتباطهن بعائلاتهن.

منهن من فقدت الأمل في كل شيء واختارت الصمت والانزواء. ومنهن من واصلت الصراخ فقط لئلا يقال لها إنها انهزمت. ومنهن من قررت أن تضحي بحياتها كلها لأنها آمنت ألا حق للموؤودة في مجتمعات الجاهلية إلا القتل...

تابعت العدد العديد من المحامين الذين تنصبوا ضد ليلى وضد نور أساسا. سألت نفسي في الليل وأنا أحاول لملمة شتات هاته الأفكار: إلى متى سنستمر في ظلم تلك التي ولدتنا، وتلك التي ربتنا، وتلك التي قاسمتنا طريقا طويلا من العيش، وتلك التي رافقتنا في السرير ذات لحظة، وبعد ارتداء ملابسنا ارتدينا نحن مسوح الفحل عابر السرير، وارتدت هي قناع الخجلى مما اقترفته من رذيلة، مع أننا في لحظة الالتحام الكامل معا كنا نمارس نفس الشيء: أي كنا جميعا إما آلهة فراش مشتعلة، أو بالمقابل كنا جميعا شياطين رذيلة، هي في نهاية المطاف مجرد غريزة طبيعية عادية اختارت مجتمعات النفاق أن تلفها بمئات المساحيق لئلا تتحدث عنها بالشكل الأكثر إيلاما: لئلا تتحدث عنها بشكل مباشر.

كم ليلى وكم نور وكم جوهرة وكم فتاة وسيدة سنقدم قرابين على مذبح هاته الجاهلية الكامنة فينا؟

ذلك هو السؤال، اليوم وغدا وحتى انتهاء كل الأيام...

تعليقات الزوّار (0)