#ملحوظات_من_زمن_كورونا: التصرفيقة وصمت الحملان !

الجمعة 27 مارس 2020
بنعبد الله المغربي
0 تعليق

AHDATH.INFO

بقلم: المختار لغزيوي

ليطمئن القابعون في تدويناتهم الفيسبوكية ينتظرون لنا كل الشرور: لن يصفع أحد أحدا في المغرب بعد اليوم.

المسؤول الأمني الذي فقد أعصابه في لحظة من اللحظات واضطر لارتكاب تلك « التصرفيقة »، التي أثارت حمية القوم الصامتين من جديد، أحس بخطئه واستوعب أنه لم يكن يليق به أن يفقد ولو ذرة واحدة من أعصابه في هاته اللحظة الحساسة من تاريخ البلاد

نعم، تشعر بغضب كبير عندما يخرج لك أناس من العدم يجرون في الشوارع، مثلما وقع في طنجة وفاس وسلا ويقفون قرب المسجد ويشرعون في الصراخ والتهليل والتكبير وهم يعرفون أن الزمن زمن عدوى قاتلة نرى آثارها في كل مكان من العالم اليوم، لكن هذا الغضب لايشفع لأي منا أن يصفعهم أو أن يمسهم بسوء…

لذلك ليطمئن حماة حقوق الإنسان في بلادنا، وهم مشكورون على كل حال على الجهد المضني الذي يبذلونه، وعلى « تمارة » التي يكلفون أنفسهم بها لوجه الوطن، ودون أي مقابل وفقط لأجل أن نصبح أفضل من سويسرا في حقوق الإنسان، لكننا نعدهم ألا أحد سيصفع أحدا في المستقبل، حتى وإن كان ذلك حفاظا على صحة المصفوع، وعلى صحة المحيطين به من أقاربه وعلى صحة الآخرين من البعيدين عنه الذين لا ذنب لهم إلا أنهم يعيشون معه في نفس الأرض وتحت سماء نفس الوطن.

هذا موضوع قضينا وطرنا منه وأنهيناه. لنعد الآن إلى صمت الحملان المريب الذي تلفع فيه من لم نألفهم صامتين منذ ابتدأ التدبير الحكيم لأزمة كورونا في المغرب الأمين..

هاته الطائفة التي تعودنا منها أنها تقف لنا جميعا بالمرصاد، والتي تتحدث كثيرا وفي كل القضايا، والتي تنتظر أي هفوة من أى واحد منا لكي تنذرنا بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكي تتصل من مكاتبها بمجلس الأمن، وبالمنتظم الأممي وبجمعيات هيومان رايتس ووتش والأخرى التي لا نتذكر إسمها لكي تخبرهم أن المغرب أسوأ من بلال الواق واق في عدم احترام حقوق الإنسان، بحثنا عنها طويلا منذ ابتدأ الوباء ولم نجدها.

فجأة ران على القوم صمت عجيب. لم نر لهم أثرا ولم يوصل لنا أحد عنهم خبرا.

بعض المتشائمين منا خافوا وارتعدوا، واعتقدوا أن الوباء اللعين مس القوم في ألسنتهم من ضمن من مس من ضحاياه. والبعض الآخر تصور أمورا أخرى كثيرة من قبيل أنهم فروا إلى مكان لا كرورونا فيه أو أن إقفال المحلات كلها أثر عليهم وعلى نفسياتهم فقبعوا في المنازل ينتظرون…

لحسن الحظ أو لحزنه أو لاندري لأي وصف فيه، أتت « تصرفيقة » ذلك اليوم لكي تخرجهم من سباتهم الربيعي الذي آووا إليه منذ ابتدأت الأزمة، وحينها سمعناهم يقولون إن الصفع في زمن كورونا يدل على عدم القدرة على إدراة الأزمة بشكل  سديد، وأنه لا يعقل سيدي القاضي ومن اللازم القيام بمالابد من القيام به وهكذا وإلى آخره وقس على المنوال ذاته.

ابتسم المغاربة بألم، لأن اللحظة لا تساعد على الابتسام الآخر، المرتاح القادر على القهقهة، وقالوا « أوف، الحمد لله أولا إنهم لازالوا على قيد الحياة »، قبل أن يضيفوا « والحمد لله الذي لايحمد على المكروه سواه ثانيا أنهم لازالوا على قيد الترصد الذي ألفوه للبلاد ».

للأمانة «  تخلعنا عليهم »، لكن وبعد أن ظهروا كنا ننتظر منهم شهادة حق وإن كانت بخجل ثم المرور إلى ما ألفوا اجتراره من كلام. لكن « والو ». على الأقل الجماعة إياها التي يجدون لديها الحضن وتعويض عنوستهم الجماهيرية في الأيام العادية تميزت عليهم،  إذ بعد أن رأت بعد كل الصمت الذي تلفعت فيه، وبعد محاولاتها الأولى تسيير الدروس لأجل توجهها والمنهاج أن البلاد تدبر بشكل حكيم حقيقي أزمتها مع كورونا خرجت ببيان قالت فيه من ضمن ماقالت إنها تثمن الخطوات الرسمية التي تمت

الآخرون، هواة « النكير » لم نسمع لهم كلمة واحدة من هذا القبيل. التفكير السيء الذي يوسوس به الشيطان للنفس الأمارة بالسوء يكاد يقول إنهم كانوا يتمنون لو أن البلد أخلف الموعد مع هاته الأزمة لا قدر الله. أو لعلهم كانوا يأملون أمورا أخرى سيئة لهذا الشعب الأمين لكي يجدوا مبررا ما للبكائيات المضحكة التي ألفوا ارتكابها على عجل وعلى جهل وعلى حقد دفين

سوى أن لهذا البلد خاصية ما، استثناء ما، أسميها البركة، ويضحك مني الرفاق المحيطون بي ويقولون لي « شور علينا شوية، وحاول أن تجد لها توصيفا أقرب إلى العقل »، فأجدني مضطرا للاعتراف لهم أن العقل أحيانا يحتار في كيفية اشتغال هاته البركة على كل ملفات هذا البلد الأمين.

لعلها النية الحسنة التي تحرك  من يتولون أمره. لعلها نسبة النية الصادقة التي تملأ قلب وطبيعة ونفس التسعة وتسعين فاصلة تسعة وتسعين من سكانه وأبنائه. لعلها أمور من ذلك القبيل الذي يخفى على الرصد المادي العادي، والتي ترقى إلى ماهو غير مرئي تسير لنا الأمور وتيسرها علينا وتفتح كل مرة كوة ضوء نسير على هديها نحو الأمان

المغاربة سعداء ببلدهم وبتدبير بلدهم لهاته الأزمة الخانقة والخطيرة. هذا هو أهم ما في الموضوع كله. والمغاربة أسعد وسط هاته الأزمة الخطيرة بروح التضامن التي اكتشفوا أنها لازالت تسكن المسام منهم وبروح الخير التي آمنوا أنها كانت فقط معلوة ببعض الغبار، يكفي أن تسمحه بعناية ورفق لكي تعود المعادن الأصيلة إلى لمعانها العريق.

هذا هو درسنا الأهم اليوم. البقية بما فيها هاته الأزمة نفسها، وعلى خطورتها تظل أمورا من تلك التي يجب عليك أن تواجهها في لحظة من اللحظات. لا خيار لك إلا المواجهة. لن تهرب بالتهليل أو بالخروج في الشوارع أو بنفي وجود المرض أو باختلاق المبررات كل مرة لكي تحول أنظار الناس عن الموضوع الأساس: موضوع مواجهة هذا الوباء.

لذلك ليطمئن أصدقاؤنا من الذين يحملون عوضا عنا هم حماية حقوقنا نحن الذين لا نحمي حقوقنا: لن يصفع أحد أحدا في المستقبل في هذا البلد، نعدكم بذلك

بالمقابل لا نستطيع أن نعدكم بأن المغرب سيتوقف عن تقديم الدروس المجانية وعن إطلاق الصفعات الحضارية نحو أولئك الذين يتخيلون كل مرة واهمين أنهم أكبر من هذا البلد الأمين ومن هذا الشعب الأمين…

لتطمئن الحملان الصامتة، سيزداد صمتها مع تطور الأحداث كلها، وسيرتفع صوت البلد وناسه فقط في كل الأرجاء بالدعاء بالسلامة لهذا البلد ولأهله، فذلك أهم مايشغل البال (بال الكل قمة وقاعدة) في نهاية المطاف.

تعليقات الزوّار (0)