‘‘عبق التراث‘‘.. حين يبدع الوثائقي في استعادة مغرب أصيل ومتعدد

الإثنين 11 مايو 2020
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

باستثناء أهل المكان والمنحدرين من المنطقة، ماذا يعرف البيضاويون عن مكناس وتاريخها وتراثها؟ وماذا يمكن لطنجاوي أو تطواني أو مسفيوي أن يتذكر بعد عودته من زيارة لخنيفرة وقراها الصغيرة المجاورة ؟ ثم هل نعرف جميعا من أين أتى إسم سيدي أحمد أو موسى الذي ارتبط في مخيالنا الشعبي ببهلوانيات شباب يقوم بحركات ترفيهية في المواسم والحفلات العامة والمهرجانات التقليدية والعصرية ؟ وكيف ارتبط في مناطق عديدة من المغرب العميق، عشق تراب هذه الأرض، بعادات أهلها في التشبث بتعاليم الدين الإسلامي ومذهبه المالكي وطاعة أولي الأمر على امتداد التاريخ ؟

تجد كل هذه الأسئلة أجوبتها مساء كل أحد، على القناة الأولى ضمن برمجتها الرياضية الخاصة بالشهر الفضيل في البرنامج الوثائقي ‘‘عبق التراث‘‘، الذي يعتبر امتدادا لسلسلة برامج وثائقية بجودة عالية دأبت القناة الأولى على برمجتها منذ سنوات خلت، كما يعتبر فرصة لمصالحة المشاهد المغربي مع هذا النوع من الإنتاج التلفزيوني، المتطلب للكثير من الجهد والمزايا التقنية والتحريرية، وفق سيناريو مضبوط، يكيف بين المرئي والمسموع/ المقروء بصورة ذكية تحترم عقل المشاهد، وتغذي إدراكه وأحاسيسه.

من بين أبرز المزايا التقنية للسلسلة الوثائقية ‘‘عبق التراث‘‘ الاستعمال الموجه والدقيق لتقنية التصوير من الفضاء القريب أو ما يعرف تقنيا ب‘‘الدرون‘‘ في معجم التصوير والإنتاج الدرامي سواء كان توثيقيا أو تخييليا. استعمال ‘‘الدرون‘‘ أو الطائرة الموجهة أضفى على أماكن تصوير حلقات ‘‘عبق التراث‘‘ طابعا ساحرا وغير مألوف، وكأننا نراها لأول مرة، حيث منحت هذه التقنية فرصة، حتى لسكان المناطق الواردة في الحلقات ال3 الأولى التي برمجت في رمضان : مكناس وخنيفرة وتيزنيت، رؤية معالم وزوايا ومساجد وقرى وقصبات ووديان لأول مرة من زاوية مشاهدة مختلفة. ولعل المثال الأبرز في هذا الباب، مشهد ضريح سيدي أحمد أو موسى في تيزنيت الذي رآه المغاربة أول مرة من الأعلى، ما أضفى على البرنامج بعدا أركيولوجيا مهما، حين ظهرت معالم وآثار بنايات وقبور اختفت في أرضية الضريح.

المادة التاريخية في عبق التراث تحضر في المتن الفرجوي على مستويين. أولا على مستوى المادة السردية المكتوبة بعناية وأناقة والملقاة بأسلوب لا يقل أناقة وسهولة، والمستعملة في انسجام تام مع تسلسل سيناريو الحلقة بشكل يضفي طابعا تثقيفيا على المادة موضوع الحلقة، وثانيا على مستوى استعمال الشهادات والتصريحات التي توازن بين المعطى العلمي المعربي الذي تقدمه شخصيات عالمة أو متخصصة أو دارسة، وبين المعطى الإنساني المباشر حين تأتي على لسان سكان المكان أو ما جاوره سنوات طويلة، من أهل المنطقة أو شخوص الحدث المسلط عليه الأضواء، كالفقهاء وحفظة القرآن والقائمين على المساجد العتيقة، أو نساء الجمعيات المحلية المتخصصة في إنتاج مواد محلية الصنع، أو الخاطبة أومعدة الزواج ‘‘النكافة‘‘ عند تسليط الضوء على تراث وتقاليد الزواج في الأطلس المتوسط.

تكتسي البرامج الوثائقية أهمية خاصة في زمننا الحالي الذي نعيش فيه امتدادا لجائحة مفاجئة حتمت علينا الاعتكاف في البيوت، إذ تضطلع بدورها المحوري في تعريف جيل جديد من المغاربة بكنوز البلاد المستترة والظاهرة في تراثها المتعدد واللامادي. إعادة تركيب المشاهد بطريقة ذكية ودقيقة تحيل هؤلاء الشباب على أزمنة مختلفة، قديمة وحاضرة، من شذرات التنوع الثقافي الزاخر لهذه البلاد.

هذا ما نجح فيه برنامج ‘‘عبق التراث‘‘ في حلقاته الثلاث الأولى.

تعليقات الزوّار (0)