توفيق الوديع يكتب.. رسالة وباء

الخميس 14 مايو 2020
أحداث انفو
0 تعليق

Ahdath.info

 

بقلم توفيق الوديع... ماي 2020

...وهاهي روح المواطنة والمسؤولية تناجينا وتنادينا …مزيدا من الصبر ففترة الحجر الصحي إلى زوال لنعود إلى الحياة....إلى الطبيعة...

لقد حان الوقت وآن الأوان أن نستفيد من دروس الوباء، أن نختار و نقرر في مستقبل أبنائنا، وأحفادنا...نقرر في مسار وطننا...فالدرس واضح... ما بعد الجائحة سيختلف حتما عمَّا قبلها...

نشأتُ في مغرب مختلف عمَّا هو عليه اليوم، وانتميتُ اختيارا واقتناعا إلى إطارٍ سياسيٍّ أُنشئَ من طرف وطنيين مناضلين من أجل مغرب حداثي وديمقراطي، مَثَّلَنَا الإطار أحسن تمثيل وقال كلمته في أحلك الظروف التي عاشتها البلاد وبفضل مناضليه استطاع أن يفرض نفسه كمحاور محوري في اللحظات الحاسمة...وفي أحضانه تعلمنا حب الوطن...إطارٌ أرادوا أن يشيّعوه إلى مثواه الأخير في عزِّ احتياج الوطن لكل مكوناته...

واليوم، ونحن نعيش لحظة تاريخية، تجربة متفردة غير مسبوقة منذ عدة عقود...نحاول التعايش مع المرض الفتاك الذي فرض الحجر الصحي والاقتصادي على العالم بأسره، وجعل دول المعمور سواسية أمام الوباء... التففنا حول بعضنا وطنيا أولا ثم على المستوى العائلي واستطعنا أن نتأقلم مع الواقع المفروض وان نلازم بيوتنا، أزواجنا، زوجاتنا وأبنائنا ليلا ونهارا...فكان النقاش المثمر، والخلافات التي علمتنا كيف نسيطر على ذواتنا لتجاوزها...وتعلمنا، كذلك، تدبيرا أدق للجانب الاقتصادي الذي تأثر بفعل العوامل الخارجية... واكتشفنا، دون إرادة منَّا، أن الكماليات أخذت حيزا مهما في حياتنا على حساب الضروريات...

حتما لكل واحد منا تجربته الخاصة في تدبير هاته التجربة المتفردة... وكم نحن في حاجة لاقتسام تجاربنا دون أحكام مُسبقة ...

لقد حان الوقت وآن الأوان لتضافر الجهود والتفكير في تداعيات الجائحة، فمن واجبنا كأفراد وجماعات، مفكرين، رجال سياسة واقتصاد أن نستخلص العبر لنبني مغربا جديدا..

حان الوقت وآن الأوان أن ننتصر للوطن...

التداعيات الإيجابية الواضحة والتي وجب التسطير عليها والتأريخ لها و كتابتها بمداد من الفخر في سجلات الوطن تجلت في الميدان الصحي الذي أبلى أصحابه البلاء الحسن رغم المعاناة والإقصاء الذي تعرض له القطاع الصحي العمومي في بلادنا....والذي وجب أن نعيد له الاعتبار حالما رُفِع الحجر الصحي...وان نناضل من أجل أن يتبوأ المكان الذي يستحق ماديا ومعنويا، فقد كان درس الجائحة الأول، وكم راهناَّ خطأً على تسليم مفاتيح القطاع الصحي العمومي للخواص...فكانت الجائحة التي أعطت الدرس أولا للدول المتقدمة عالميا حين انهارت منظومتها الصحية ولم تستوعب الكم الهائل من المصابين...

وبارتباط مع ما سبق وجب إعادة الاعتبار للتعليم والتكوين العمومي لإرساء دعائم جديدة لإحياء المدرسة العمومية... وايلائها المكانة التي تستحق مع الاعتراف لها بما أسدته منذ عقود، وذلك بتخصيص ميزانية من صندوق التضامن لإعادة تأهيلها...

التداعيات السياسية الواضحة والمتجلية في غياب إطار قوي لقيادة المرحلة، خصوصا وما أبانت عنه رئاسة الحكومة من ضعف في تدبير الأزمة وتمكن ثلاث أو أربع وزارات من ذلك بفضل التأطير المحكم للملك أساسا... وهنا وجب الاعتراف بكل نكران ذات، وأريحية أن روح التضامن والانضباط الذي عبرت عنها كل شرائح المجتمع إبان هاته الجائحة هو ترجمة للإرادة الملكية التي أخذت بزمام الأمور وشكلت نواة صلبة لمواجهة تداعيات الوباء ونجحت إلى غاية اليوم في قيادة المرحلة بكل شجاعة.

وقد بدا جلياًّ الأثر السلبي الذي خلّفه انسحاب المفكرين التقدميين والحداثيين من الساحة السياسية بفعل عدم قدرتهم على التعايش مع دسائس ودهاء السياسيين ...و فضّلوا الانزواء بعيدا والاكتفاء برسائل مشفرة لا يفهمها إلا من جعلهم على الهامش...وهنا مربط الفرس فبمقارنة بسيطة بين مكونات الحقل السياسي قبل أربعين أو خمسين سنة، نجد هامات طبعت مسار الأحزاب السياسية يمينا ويسارا وكانت مُؤطِّرة لشباب المرحلة... ونستخلص ضرورة إعادة الاعتبار للمؤطرين التربويين، المثقفين على اختلاف مشاربهم فلاسفة وعلماء اجتماع حتى يتمكنوا من أداء أدوارهم في تأطير الشباب وصياغة الإيديولوجيات التي تتبناها الأحزاب... وهذا ما يفتقده مغربُ اليوم...

حان الوقت و آن الأوان لنعترف بأخطائنا وإعادة الأمور إلى نصابها...

التداعيات الاقتصادية سيكون لها الأثر القوي على مدى السنوات الثلاث المقبلة والمتجلية في الأعداد الغفيرة من فاقدي الشغل ومن الشركات التي ستضطر لغلق أبوابها وهنا وجب التفكير الجدي في الإمكانيات الذاتية المحلية الممكنة والتي أعطت أكلها في هاته المرحلة... حتى صرنا قاب قوسين أو أدنى من تصدير منتوجات محلية لدول لم نحلم يوما أن نصدر لها إلا البواكر وبعض الثروات الطبيعية.

التداعيات الاجتماعية التي تجلت في العنف الأسري بحكم تجربة الحجر الصحي الفريدة والتي أدت ثمنها المرأة خصوصا التي تعرضت لمختلف أشكال العنف جسديا كان لفظيا أومعنويا ولذلك وجب أن نحصن أنفسنا بتقوية روح التضامن الأسري وتوفير الحماية اللازمة بوضع أسس قانونية لذلك وتفعيلها على أرض الواقع بموازاة مع ذلك توفير الحق في امتلاك السكن اللائق و الكريم لجميع شرائح المجتمع...

التداعيات الحقوقية والتي كادت أن تعرف تراجعات جوهرية لولا يقظة المجتمع المدني... وفي هذا الإطار وجب صياغة القوانين بتجرد وبإلمام بمعطيات المجتمع المغربي مع عدم إغفال المكتسبات التي تحققت في ميدان حقوق الإنسان والعمل على تقويتها والوقوف ضد كل الإرادات التي تحاول الانتقاص منها.
من أجل كل هذا يدعوكم هذا الوباء جميعا، بنكران ذات ومسؤولية، إلى مزيد من التضامن المادي والمعنوي وخصوصا إلى نقاش هادئ ورصين من أجل بلورة رؤيا لمغرب ما بعد الجائحة...

نحن أمام تَحَدٍّ وطني كبير... وَجَبَ أن نتغلب على ذواتنا، أن نلجمها من أجل مغرب بلا مخالطين وبأعداد كبيرة من المتعافين من كل الاضغان التي تقف حجرة عثرة أمام بناء المغرب الذي نصبو إليه...

فقد حان الوقت وآن الأوان من أجل وضع لبنات عالم جديد...
حان الوقت وآن الأوان لتجاوز الخوف والتشبث بالأمل...
حان الوقت وآن الأوان لرسم معالم أفق جديد...
حان الوقت وآن الأوان لنتصالح مع الطبيعة...
حان الوقت وآن الأوان للاعتراف بهشاشتنا...
حان الوقت وآن الأوان لنتعلم من أخطائنا...
حان الوقت وآن الأوان لتبوئ التقدم العلمي المكانة التي يستحقها...
حان الوقت وآن الأوان لإعطاء معنى التضامن قيمة عالمية...
حان الوقت وآن الأوان لتفادي معوقات المستقبل...

تعليقات الزوّار (0)