شراك: الكلفة الاجتماعية لما بعد كورونا تحتم بناء اقتصاد تضامني

الأربعاء 20 مايو 2020
حاوره: عبد العالي دمياني
0 تعليق

Ahdath.info

 

لم يتأخر كثيرا الباحث السوسيولوجي أحمد شراك، الفائز بجائزة المغرب للكتاب عام 2018 عن مؤلفه "سوسيولوجيا الربيع العربي"، في إصدار أول كتاب عن جائحة كورونا بالمغرب عنونه بـ"كورونا والخطاب"، وهو عمل يحلل فيه، من منظور يمزج بين أنواع سوسيولوجية متعددة وبين التأمل الفكري، العديد من الخطابات الرائجة في مختلف وسائط الإعلام عن هذا الوباء، الذي قلب العالم رأسا على عقب. "الأحداث أنفو" اطلعت على نسخة إلكترونية من هذا الكتاب الصادر مؤخرا عن دار النشر مقاربات، وحملت إلى مؤلفه الأسئلة التالية:

_ من عنوان كتابك الجديد، الذي رأى النور هذه الأيام في عز الأزمة الراهنة، اخترت الاشتغال على الخطابات الرائجة عن كورونا. وهي خطابات متعددة التجليات والقضايا. إلى أي حد دفعك هذا الاختيار إلى التماس مع أنواع سوسيولوجية عديدة؟

_ _ الكتاب، بدءا، لا يأخذ ملمحا أكاديميا، أو ملمحا بحثيا من زاوية السوسيولوجيا كعلم، ولكن في نفس الوقت لا ينفلت من دائرة السوسيولوجيا ولا يزعم الابتعاد عنها في مناولة وتحليل الخطاب الرائج حول كورونا هنا والآن.

وهو خطاب متعدد الركائز والمنابع والدلالات والأجناس. لهذا، فالتقاط هذه الخطابات يطرح فعلا هذه الصعوبة المشار إليها في العنوان، بالإضافة إلى طرحه صعوبة أخرى تتجلى في توزيع هذه الخطابات إلى محاور كما هو ظاهر في فصول الكتاب.

أما الصعوبة الثالثة فتتمثل في طريقة المعالجة، أية منهجية يمكن بها مقاربة هذه الخطابات خاصة في عصر كورونا، الذي يتسم بأنه عصر غامض من حيث أننا لا نعرف مصدر كورونا ولا بروتوكول علاجها بشكل ناجع وفعال، ومن ثمة فالسوسيولوجيا مطالبة بأن تبحث في الأثر، أثر كورونا على السلوكات والمظاهر والتمثلات. لا شك، إذن، أن السوسيولوجيا بالمفرد لا تستطيع، بل ينبغي استعمال سوسيولوجيا تركيبية فيما بينها أولا، ومنفتحة على مختلف التخصصات الأخرى من أجل القبض، إن صح هذا التعبير، عن بعض ملامح هذا الخطاب، الذي يمتد من الخاصة إلى العامة.

_ في المقالة المخصصة للتعليم عن بعد خلصت إلى إشكال الانتقال الرقمي في المغرب، وإلى عدم الاستعداد له من قبل جميع الفاعلين بمن فيهم الأساتذة أنفسهم. مسألة التعليم عن بعد أثارت سجالا مستفيضا، ومن ضمن أبرز الآراء ما قاله الأستاذ سعيد يقطين في حوار مع الأحداث المغربية، مفاده أننا فشلنا في التعليم عن قرب فما بالك بالتعليم عن بعد، والرأي الثاني للسوسيولوجي إدريس بنسعيد، الذي أكد في حوار مع الجريدة، أن الرصيد الكمي الذي تم إنتاجه على مستوى المحتوى التعليمي في جميع الأسلاك، لا يمكنه أن يغطي عن الاختلالات البيداغوجية الكثيرة، التي تعتور منظومتنا التعليمية وتصيبها في مقتل. كيف تنظر إلى المسألة؟

_ _ أكيد أن لرأيي الصديقين العزيزين سعيد يقطين وإدريس بنسعيد مسوغاتهما. فلكل واحد رؤيته إلى المنظومة التعليمية، وإلى هذا التعليم عن بعد المستجد بحلول هذه الجائحة، والذي فاجأ بلادنا كما فاجأ بلدانا أخرى كثيرة.

ومن ثم فإن تقييمه ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار عنصر المفاجأة، ويراعي حداثة التجربة في الزمن المغربي، وكل حداثة لتجربة إلا وتلقى صعوبات متعددة سواء من قبل المؤطر، الذي هو المعلم والأستاذ بمختلف مراتبه، أو المتلقي، الذي هو التلميذ ومعه عائلته، خاصة في التعليم الأولي والابتدائي إلى التعليم الإعدادي وقد يخف الحال في التعليم التأهيلي، فضلا عن صعوبة تعميم صبيب الأنترنت على مختلف مجالات المغرب ومناطقه المتعددة، والتي يعيش بعضها حالة هشاشة وانعزال كبير بعيدا عن العصر المادي الأولي كالماء والكهرباء فبالأحرى عصر الأنترنت.

هذه صعوبات موضوعية لا يمكن إنكارها، ولهذا فالتعليم عن بعد في المغرب تدرج في هذه المرحلة القصيرة من البداية المتصفة بالصعوبة لأنها فاجأت الكثير من الأساتذة، الذين تعودوا على إلقاء دروسهم في المدرجات بشكل شفوي وغير مراقب بحكم غياب المراقبة في التعليم الجامعي، فإذا بهم يجدون أنفسهم مراقبين من قبل الطلاب وغيرهم وهم يلقون دروسهم، خاصة الدروس التي ألقيت عبر شاشات التلفزيون.

وعلى هذا الأساس طرحت أسئلة التقييم على هؤلاء ما بين نقد موضوعي ونقد مجحف، خاصة وأن فاقد الشيء لا يعطيه، لكن مع الوقت تدرجت العملية وتحسنت كثيرا هذه الدروس بفعل تجنيد الجامعات لطواقم معلوماتية متخصصة وتكوينات سريعة لتدارك كثير من النقص لأن الكل هنا فوجئ بهذا العصر الرقمي بامتياز.

كما قلت في الكتاب، كل شيء أصبح عن بعد لكنه بعد جسره قرب تكنولوجي ومعلومياتي متحكم فيه. أمام كل هذا لا يمكن أن نحكم على هذه الفترة بالبياض وبـ"لا" جملة وتفصيلا، بل هناك نسبية كبيرة في النجاح.

لا شك أن الوزارة الوصية ربما أخذت كل هذه الاعتبارات بدون الإعلان عنها رسميا وأكدت على أن الامتحانات والتقويمات ستجري في الدروس الحضورية وذلك ضمانا لتكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة للمناطق الجغرافية المهمشة ولكل الفئات التي استعملت هذه الوسائل التكنولوجية لأول مرة وبشكل متعثر، وتفاديا لكل احتجاج أو نقد، مع التركيز على الاستمرار في هذه الدروس عن بعد بمزيد من الدراية والممارسة والإفادة والاستفادة، وهي تجربة لا شك أنها ستغتني في المستقبل. من المؤكد أن كل تعليم كان حضوريا أو عن بعد تدور حوله أسئلة وانتقادات كثيرة، والمثقف بطبيعته يطلب دائما المزيد من أجل الأفضل.

_ عالجت بعض فصول الكتاب المسألة الأسرية في ظل ما أسميته "الإقامة الجبرية"، إلى أي حد يمكن للفضاء الأسري، في ظل عدة إكراهات اجتماعية تهم بنية هذا الفضاء وتركيبته، أن يضطلع بأدوار جديدة من قبيل العمل عن بعد ومواكبة دروس الأبناء التي يرسلها الأساتذة يوميا؟

_ _ أعتقد بأن عصر كورونا ولد دهشات كثيرة، والدهشة هي أساس التفكير والمناولة وطرح الأسئلة بطريقة مغايرة. لقد فاجأ، بالفعل، هذا العصر الأسر والأطفال وكل الناس صراحة كل في فضائه وموقعه، فحضور الفضاء الخاص صارت له كثافة بفعل واقع الحال.

وهذا الواقع هو عبارة عن إقامة جبرية ليس فيها مجال للاختيار، ومن ثم كان على الأسر الاضطلاع بعبء كبير خاصة الأسر التي لها أطفال في مستوى الروض والابتدائي إلى التأهيلي، إذ وجدت نفسها في حيص بيص، لقد تعودت على أن يذهب الأطفال إلى المدارس، لكن في عصر كورونا صارت المنازل مدارس بالنسبة لهم، وصار الآباء والأمهات أساتذة موازيين أيضا، فضلا عن متطلبات الأسرة الأخرى ومشاغلها المنزلية.

وفضلا أيضا عن أمزجة الأطفال. فالأطفال وكما سمعت انطلاقا من تجارب عائلية، لا ينضبطون إلا لمعلميهم وأساتذتهم أكثر من انضباطهم للأمهات والآباء، ومن ثم استنفدت لغة الأوامر الخاصة بالآباء والأمهات مهمتها، فالأمر مرتبط بمزاج الأطفال، لأنهم بدورهم يعيشون هذه الدهشة تجاه الفضاء الأزرق، وهو فضاء عمومي، بيد أنه لم يحضر بهذه الوظيفة المؤسساتية، ولم يخضع للتقييم والتمرين والتلقين وسواها من وظائف الدرس من أجل أن يبث معرفة ويوصلها إلى التلاميذ بل والطلبة أيضا.

لقد أحدث هذا مشكلا بالفعل، وأدى في المقابل إلى تقدير وربما تفخيم دور المعلمين والأساتذة في حياة الأسر، وكرس صورة أنهم الأقدر على التكفل مؤسسيا بالدراسة.
هناك نقطة أخرى تمنيتها وربما كان الإعلام يلعب فيها دورا، هي اهتبال هذه الفرصة، ومازال أمامنا الوقت، من أجل تنشئة قرائية، أي أن نتعلم كيف نقرأ مع الطفل بالمشاركة، ونحفزه على منتوجات موجهة إلى الأطفال، وهي فرصة أيضا أن يتعلم آباؤهم القراءة، ليس التعلم هنا بمعناه الأولي ولكن بمعناه التربوي والتنشيئي.

أي أن مصدر القراءة هم أولا وأخيرا الأطفال والأبناء والآباء والأمهات حتى تنغرس هذه العادة الجميلة وتتجذر من أجل مغرب قارئ تساهم فيه الثقافة في بناء اقتصاده وتنميته ولا يبقى هذا القطاع متواكلا ومعتمدا بالكامل على دعم الدولة.

يمكن هنا أن نجري دراسة ميدانية عبر الفضاء الأزرق لمعرفة مدى حضور القراءة وليس الدراسة، القراءة وليس "القراية"، في الفضاء المنزلي، خاصة وأنها أتيحت بوفرة إذ وضعت مكتبات عالمية ووطنية رصيدها الرقمي في خدمة العموم، وتبرعت كثير من المؤسسات بالقراءة المجانية، وفعل الشيء نفسه كتاب وناشرون ولم يعد ثمة مبرر يتعلل بأن ثمن الكتاب غال ولا يمكن اقتناؤه، وإنما أصبح بين يدي الجميع فقط هو ينتظر قارئا يأخذ بيده.

_ من النصوص التي سلطت الضوء على الفضاء الأسري مقالة "كورونا والطفولة"، وهي مقالة تثير فعلا السؤال حول مواكبة هذه الفئة المهمشة وحقها في الرعاية النفسية والوجدانية إزاء الجائحة، وهو ما يغيب في وصلات التحسيس والتوعية في وسائل الإعلام السمعية البصرية وأيضا على مستوى البرامج التربوية التي انشغلت فقط بتعويض الدروس الحضورية بدروس عن بعد..

_ _ لا شك أن وقع الجائحة على الأطفال كان بحجم الدهشة التي ولدها هذا الحدث وهو يفرض على الجميع حجرا صحيا غير مسبوق. من الصعب أن نوصل إلى هؤلاء الأطفال فكرة عن أسباب عدم الخروج والتزام البيوت، لأن الفيروس نفسه له طبيعة تجريدية، ورغم ذلك كان هناك انضباط نسبي لأطفالنا.

كملاحظ سوسيولوجي عاينت أنه عندما أخرج للضرورة لا أجد أطفالا في الشوارع، بالعكس أجد شبابا وكهولا، هؤلاء الذين يخرجون لقضاء الحاجات الأسرية أو لحاجة في نفس يعقوب. الدعم النفسي للأطفال ضروري وينبغي التفكير فيه، وأعتقد أنه صدر دليل في إطار الدعم النفسي من أجل تعميمه على الآباء والأمهات، لكنه غير كاف لأن كل أسرة دبرت حال أطفالها بالطريقة التي تتبناها وتجتهد فيها دون أن نزعم بأن كل الأسر لأفرادها تكوين نفسي يتيح لهم الانتباه إلى هذه النفسيات الصغيرة، التي وجدت نفسها صدفة أمام طارئ عدم الخروج والانضباط في مجال محدود واللتزام بالقليل من الحركة في المنزل .

وهو أمر صعب بالنسبة للأطفال الذين يميلون بطبعهم إلى الحركة واللعب كمكونات نفسية بل وتعليمية. صحيح أن هناك تمردات واحتجاجات، كما استطلعت من خلال عدة أسر لي علاقة بها، غير أن الآباء حاولوا بطريقتهم الخاصة أن يحاصروا هذه الاحتجاجات الصغيرة والشغب الجميل في أفق أن عصر كورونا محدود في الزمان. وفي المجمل فإن عدم التهييء لهذه المرحلة بحكم فجائيتها تسبب في كثير من الارتباكات والإخفاقات، وولد أيضا المقابل عدة نجاحات. والحال يختلف من فئة اجتماعية إلى أخرى ومن طبقة إلى أخرى ومن مجال حضري إلى آخر حسب مستويات الأسر ومستوى تعليمهم ووعيهم.

_ خصصت عدة نصوص لمسألة الهشاشة الاجتماعية، وقد كشفت الجائحة عن أشكال متعددة من التضامن في المجتمع المغربي، وعلى مستوى تدخل الدولة. السؤال الذي يفرض نفسه يرتبط بما بعد كورونا، وبالكلفة الاجتماعية لتوقف الاقتصاد الموسوم بالضعف أصلا وشح موارده في ظل خارطة الهشاشة المتسعة والممتدة عبر التراب الوطني، والتي كانت الاحتجاجات الأخيرة تجليا من تجلياتها؟

_ _ هذه أسئلة كبرى، وهي في الحقيقة ليست مرتبطة بعصر كورونا، بل بما قبلها، وكما تفضلت، بما بعدها أكثر. في هذا "العصر الكوروني" سجل المغرب الكثير من النقاط الإيجابية من أجل ضمان الحد الأدنى من العيش بالنسبة للفئات المنتمية إلى الهشاشة الاجتماعية من خلال استحداث الصندوق الملكي، الذي عمت فائدته على جزء كبير من خارطة الهشاشة.

المغرب بعد كورونا ستطرح عليه أسئلة كثيرة، وهي نفس الأسئلة المطروحة على اللجنة المكلفة بالنموذج التنموي الجديد، نموذج عليه أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الفئات المجتمعية العريضة والمتضررة من العلاقات الاقتصادية السائدة في المجتمع، بل ويطرح، كما تفضلت، السؤال عن مستقبل الاقتصاد المغربي، بل ومستقبل الاقتصاد العالمي لأننا نعيش في كوكب واحد وعلى إيقاع واحد بشكل أعم.

لا شك أن اقتصادنا سيصاب بالكثير من الضربات ولا شك في النهاية أن الاجتهاد في البحث عن حلول اقتصادية واجتماعية يجب أن يجعل من صندوق التضامن هذا مدخلا من المداخل المطروحة لمعالجة الاختلالات ليس بشكل جذري ولكن بطريقة أكثر تقدما في التعاطي مع وضعية الهشاشة الاجتماعية بالمغرب، بمعنى أن ننتقل من الإحسان الخصوصي إلى الإحسان المؤسسي.

ولعل موارد هذا الصندوق كثيرة إذا ما تم التفكير في استثمارها في هذا المنحى، خصوصا إذا وضعت تقنينات أكثر وانتقاءات تراعي الفئات المستهدفة. المهم هو أنه صندوق يحفظ الدرجة الدنيا من الكرامة الاجتماعية على الأقل، ومن شأنه التخفيف من ظاهرة التسول المستشرية في مجتمعنا مع كامل الأسف، وجبر ضرر فئة المعاقين جسديا واجتماعيا، والحد من ظاهرة أطفال الشوارع وسواها من ظواهر أخرى تفقأ العين في مجتمعنا، فضلا عن جلب الاستثمار ومحاربة الفساد بكل أشكاله من أجل فائض خيرات البلاد ولصالح هذه الفئات.

لقد أدرك المغرب أهمية هذه الطبقات في الحراك الاجتماعي، وعرف دورها في توفير الأمن الاجتماعي. ما بعد كورونا يتطلب تشكيل لجنة للتفكير تضم مختلف التخصصات من أجل وضع أرضية للمرحلة المقبلة إلى جانب لجنة النموذج التنموي بما تضمه من كفاءات لها القدرة على الاستشراف ووضع سيناريوهات لإقلاع المغرب، الطامح إلى أن يتبوأ مكانته باعتباره من البلدان الصاعدة.

هناك مسألة يجب الاهتمام بها. ليست كل الأزمات التي عرفها العالم أصابت المغرب بالضرورة. وهنا يأتي دور النسبية واللايقين، فأكبر أزمة هي أزمة 2008، التي أصابت جارتنا الشمالية في مقتل وأفلتنا نحن من شظاياها. لنا أمل قوي في صياغة أرضية جماعية لمختصين أكفاء يضعون سناريوهات ممكنة وقابلة للتحقيق حسب إمكانياتنا وثرواتنا بعيدا عن الفساد والعلاقات الزبونية وكل الاختلالات الكامنة في المجال السياسي.

_ اعتبرت في الكتاب أن عصر كورونا هو عصر رقمي بامتياز، ورصدت ازدهار نظرية المؤامرة في الخطابات إلى جانب "المد الإشاعي" والأخبار الزائفة. إلى ماذا ترد انتعاش هذه الظواهر من وجهة نظر سوسيولوجية؟

_ _ في ما يخص المسألة الرقمية فالأمر واضح. لقد اصطدم الإنسان المغربي بمختلف مكوناته بالعالم الأزرق، ولذلك أصبح كل شيء عن بعد بما في ذلك الصحافة والتعليم بل حتى التطبيب أحيانا إذ يلح الأطباء على عدم الذهاب إلى المشافي والعيادات واستشارتهم عبر الهاتف.

هذا لا يعني أن الفضاء الأزرق لم يكن موجودا، بل كان ولعل وسائط التواصل الاجتماعي دليل على ذلك، ولكن على مستوى المعاملات فالجديد هو دخول العالم الرقمي في صميم الحياة اليومية ووظائف المؤسسات، كالإعلام والتعليم بل حتى مؤسسة العدالة من خلال ما حدث مؤخرا من محاكمات رقمية.

وهذا يدل على أن عصر ما بعد كورونا يبشر ويؤشر على أنه عصر رقمي بامتياز، وبالتالي ستتغير الكثير من العلاقات مع المؤسسات، من خلال سحب الشواهد الإدارية رقميا وأداء الفواتير والتواصلات، بل حتى العلاقات الاجتماعية ستأخذ بعدا رقميا، وقد بدأت فعلا تتكرس بحرارة وجدانية عبر الرسائل والأيقونات والخطابات العاطفية الجياشة دون أن يكون هناك تماثل بين هذه العلاقات الرقمية والعلاقات على صعيد الواقع.

أما عن نظرية المؤامرة، ففي كل حدث، حسب ما عاصرت شخصيا، بدءا من حرب الخليج الأولى ومرورا بضربات البرجين، إلى احتلال العراق ثم الربيع العربي، دائما ينشط هذا الخطاب التآمري، وهو خطاب نتائجه متضمنة في مقدماته، بمعنى أنه لا يقدم تحليلا مقنعا ووافيا وإن كانت هناك مؤشرات بطبيعة الحال يسوقها من أجل الحجاج والإفحام لكنها تبقى مجرد تخمينات بدون سند وثائقي وعلمي دقيق يمكن الاطمئنان إليه.

كما هو الحال اليوم في عصر كورونا، من خلال الجدل الموجود بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، والاتهامات المتبادلة بينهما والاجتهادات في التخمين التآمري وكل أطروحة تحاول أن تقدم ما أمكن من "الدلائل والحجج" دعما لصحتها، غير أن الحقيقة النسبية ستظهر بعد انتهاء هذا الحجر والقضاء على كورونا.

لقد سبق لي أن حللت نظرية المؤامرة أثناء أحداث الربيع العربي وكيف تمت نسبة ما وقع إلى أمريكا والغرب. نظرية المؤامرة لا تخلو مما أسميه ببلاغة السهل وهو خطاب لا يبذل فيه صاحبه جهدا في التحليل وتقديم الدلائل القوية.

_ تحضر الثقافة بشكل واسع في هذا الكتاب من خلال عناوين "كورونا والثقافة"، و"كورونا والمثقف"، و"كورونا والإعلام"، و"كورونا والقراءة"، وهي نصوص، إلى جانب أخرى، تنطوي على مرافعة ورد ضمني على تبخيس دور المثقف في هذه الأزمة، التي يبدو فيها أهل الصحة والأمن هم أبطال المرحلة؟

_ _ الثقافة خبز يومي وهواء لا يمكن لنا الحياة بدونه، وإبعادها هو إبعاد إرادي لأن الخطاب الثقافي هو الأصل، فلا يمكن أن نعيش بدون ثقافة وبدون تفكير وبدون سؤال وبدون نقد، وقد أشرت إلى مختلف الثقافات المزدهرة في هذا "العصر الكوروني" بدءا من ثقافة التحسيس وكيف ينبغي أن تكون، ومرورا بثقافة المؤامرة ومنطقها، بالإضافة إلى حضور الثقافة العالمة من علوم إنسانية واجتماعية وآداب وفنون باعتبار أن هذه المكونات جميعها تلونت بهذا "الزمن الكوروني" في الغناء والتشكيل والشعر والقصة ولا شك ستظهر روايات تتناول هذه الجائحة،.

ثم حضور العلوم الإنسانية والاجتماعية من فلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا والاقتصاد وعلم الاجتماع، الذي تكاثف حضوره في هذه الأزمة على عكس الأزمات السابقة، من كان من السوسيولوجيين مثلا يكتب عن حرب الخليج، كنا قلة، ومن كتب عن أزمة 11 سبتمبر غير قلة في مقابل كثرة المفكرين والأدباء والباحثين السياسيين، والسبب أن السوسيولوجيا كانت مضمرة في ذلك الوقت لأن المؤسسات التي تنتج السوسيولوجيا كانت معطلة ومقفلة بل ومبعدة، حيث كان المغرب يفضل الثيولوجيا على السوسيولوجيا.

كما أن المثقف باعتباره يحمل قضية وينافح عنها حاضر أيضا في العالم الرقمي عبر ندوات وحوارات ومحاضرات، كل ببذلته الخاصة وتخصصه. إذا، لا الثقافة ولا المثقف ولا الإنتاج الثقافي يواكب هذه المرحلة العسيرة من تاريخ المغرب، ولا شك ستكون بصمات كثيرة لهذه المرحلة بشكل يسهم في تعميق الذاكرة المغربية حول هذا العصر وتوثيقها بما يفيد الأجيال القادمة.

_ تناولت أيضا خطاب التفكه والسخرية في التعاطي مع الجائحة، هل هي مسألة مقاومة، درء للخوف، انتقادات مبطنة..

_ _ كل ما قلته وارد فعلا في هذا الخطاب، الذي ازدهر أيضا بشكل لافت في الربيع العربي، بل كان مكونا رئيسيا من جملة الخطابات الدافعة والمقاومة لحالة الاستبداد.

في هذه الجائحة، وقبيل الحجر نشط نوع من السخرية الممجوجة وأحيانا المنحطة والمشككة واللامبالية، ولم تكن تأخذ خطر الجائحة بمأخذ الجد، لكن بعد الإعلان الرسمي عن هذا الحجر الصحي تبدلت الأشياء فأصبحت السخرية في مجملها خطابا مقاوما يعبر عن الصمود ويهدف إلى الرفع من معنويات الناس، ويقلل في كثير من الأحيان من وطأة الجائحة من خلال رسائل الحاثة ضمنيا على الصبر والتضامن والتآزر.

كما تضمن هذا الخطاب، بدرجة أقل في المغرب وأكبر في فرنسا، نبرة نقدية تجاه الدولة ورئاسة الجمهورية بزعامة ماكرون.

هذه الخطابات النقدية هي انعكاس لما يجري في مؤسسات الدولة، والنقد قد يبلغ درجة من الشراسة إلا أنه يبقى في صالح المجتمع. في المغرب هناك غمزات نقدية عن طريق السخرية لكنها قليلة خاصة وأن المغرب وضع قوانين للتلفيظ وحدود التعبير من أجل محاربة الزيف والكذ الموظفين للنيل من أشخاص وحساسيات سياسية.

في المجمل أستطيع أن أزعم أن خطاب السخرية في مختلف مكوناته وتجلياته كان خطابا هادفا مؤازرا ليس فيه نقد حاد كما كان الحال قبل كورونا، وهذا ربما يعكس الإجماع الوطني والتلاحم بين العرش والشعب في مواجهة هذا العدو الكوني الخطير، الذي من مداخل القضاء عليه التضامن والتآزر.

تعليقات الزوّار (0)