عرش التحدي

الخميس 30 يوليوز 2020
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO- يونس دافقير

في تعريفه لوظائف أمير المؤمنين في المغرب وآلياتها، يؤكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور، أحمد التوفيق، أن من بين تجليات هذه الآليات توجد آلية حفظ الدين بالدفاع عن الأرض «حيث إن الأرض أول مقومات حياة الدين، والدفاع عنها بالجيش أعظم الجهاد، وآلية حفظ الدين بحفظ النفس، إذ يعتبر حفظ حياة الإنسان من القتل والعدوان، أبرز الشروط وأقدسها من منظور حماية الدين».

تكاد تكون هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها إمارة المؤمنين في عهد الملك محمد السادس لاختبار عملي قاس في قدرتها على «الجهاد» لأجل «حفظ الدين بحفظ النفس».
و«الجيش» الذي يتهدد «الأرض» هذه المرة ليس بشرا مثلنا كذلك النظام العسكري الذي نواجه مناوراته في الصحراء، وليس من أولئك الذين قال عنهم الملك في خطابه خلال قمة الرياض الخليجية إنهم يخططون لتجزئة وتقسيم الدول الوطنية، العدو فتاك كغيره من الأعداء، ما من شك في ذلك، لكن امتياز تفوقه يكمن في أنه قاتل غير مرئي.

وهناك عنصر آخر شديد الجدة سياسيا ودستوريا، في تدبير جائحة كورونا:
لقد كان قدر الملكية المغربية وهي تسير نحو الذكرى الـ21 لعيد العرش أن تخلق تزاوجا خلاقا بين وظيفتي أمير المؤمنين ووظيفة رئيس الدولة دون أن تزحف إحداهما على الأخرى، لم تكن الطوارئ كحالة قانونية استثنائية فرصة ينبغي اقتناصها للعودة إلى منطق الفصل 19 الذي حكم الحياة السياسية والدستورية بين 1982 و2011، على العكس من ذلك، شكلت بالنسبة للملك محمد السادس، مناسبة للتأكيد من جديد، على أن الحقل الديني والسياسي مفصولان، لكنهما يتعاونان حين تستدعي الضرورة القصوى ذلك، كما لو أن مقولة ابن رشد ماتزال ماثلة أمامنا، الشريعة حق والفسلفة حق وكلاهما طريق للحق وعليه يتعاونان…

في حماية «الأرض» التي هي «أولى مقومات حياة الدين» و«حفظ الدين بحفط النفس» بادر الملك إلى إغلاق حدود المغرب الخارجية برا وبحرا وجوا، وكانت هناك أيضا قرارات إغلاق المساجد وتعليق الصلوات بها، وإيقاف تلاوة الحزب الراتب المقدس لدى المغاربة في مذهبهم المالكي، ومنعت أيضا دروس الوعظ في دور العبادة، وحتى بعد أن فتحت المساجد أبوابها ظلت صلاة الجمعة مؤجلة إلى أن تنضج ظروفها.

هذه مزاوجة خلاقة بين وظيفة أمير المؤمنين ووظيفة رئيس الدولة، والملك محمد السادس حريص على أن تكون مزاوجة في نطاق الدستور، لنتوقف مثلا عند قانون الطوارئ الصحية، كان لابد من مصادقة ممثلي الأمة عليه، وحتى بعد أن اتخذ قرار تمديدها، كان لابد من الرجوع لممثلي الأمة من جديد.
وكان ممكنا أن يتم إعلان حالة الاستثناء لتدبير وضعية عصيبة، والبعض دعوا إلى ذلك وطالبوا به، إما بسبب عدم اقتناعهم بالأداء الحكومي، أو لأنهم يبحثون عن فعالية مطلوبة لا تسمح بها اختلافات السياسة، ومرة أخرى سينتصر الملك الدستوري للحياة الدستورية الطبيعية في ظرفية غير طبيعية، استمر البرلمان في أداء وظـيفته وتابعت الحكومة تحمل مسؤولياتها…

لقد اتضح هذا العام، ومن منطلق تجريبي وليس نظري، أن إمارة المؤمنين ورئاسة الدولة لا تتعارضان، وأن الفصل الذي قام به الملك بين الديني والسياسي في دستور 2011 ينتهي إلى أن يكون مفيدا: إمارة المؤمنين تتدخل في المجالات التي لا تقوى عليها مؤسسات الدولة العصرية، أو أن تدخلاتها لن تكون مقبولة أو مرحبا بها من طرف جمهور المؤمنين، وها هي لحظة تميز أخرى تسير فيها صفتا ووضعيتا المواطن والمؤمن جنبا إلى جنب دون أن تتعسف إحداهما على الأخرى.

لقد كنا، في مواجهة الجائحة، أمام أوركسترا ضخمة، فيها الحكومي والبرلماني، الأمني والعسكري، الصحي والاقتصادي، الفاعل المحلي والدولي… وكان لابد من مايسترو لتنسيق العزف والأداء، وبالفعل، كان الملك محمد السادس، ومن داخل وعكته الصحية، مايسترو ماهر وصبور في مرحلة لا تسمح بهامش كبير للخطأ.

مقولة «ملك ضحى باقتصاد بلده من أجل شعبه» كانت معبرة وهي تجوب صحف العالم، ولم يكن فيها شيء من المبالغة، حماية للمواطنين أغلقت وحدات الإنتاج، وتوقفت الأنشطة غير المهيكلة، وتحملت الدولة أعباء توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود للمقاولات الوطنية، والحد الأدنى من كريم العيش للمواطنين الذين تضرروا من توقف مصادر رزقهم، ولم يكن ذلك ممكنا، لولا أن تم اللجوء إلى استدعاء قيمة تضامنية تكاد تكون كنزا في المغرب، دعا الملك إلى إحداث صندوق خاص بكوفيد 19، تفاعل معه الناس وتقاطرت عليه التبرعات، ووقف الفاعلون الاقتصاديون والمواطنون إلى جانب الدولة وشركائها في حرب مفتوحة وغير متكافئة مع عدو فتاك لا يرى بالعين المجردة.

لم نخرج بدون خسائر، ومن يريد مغادرة الحروب سليما معافى يعيش الوهم والخرافة، لكن انتصاراتنا كانت أكثر من هزائمنا، لقد كانت السنوات الماضية سنوات جدال حول الدولة، بينما جاءت كورونا هذا العام لتخلق إجماعا حول الدولة، ولتبرز فوائد أن تكون في قلب وصلب الدولة بنية سياسية مركزية، لا يستوعبها كثيرا أولئك الذين يكتبون أشعارا وجدانية حول ملكية برلمانية توجد في رؤوسهم أكثر مما توجد ممكناتها في الواقع المغربي الملموس.

عادت الدولة إلى كلاسيكيات دولة الرعاية الاجتماعية، وتمت استعادة وطنية القطاع البنكي وصناديق الحماية الاجتماعية، وأبدع شبابنا في اختراعات محلية كما أبدعت مقاولاتنا في التصنيع المحلي، ورأينا عناصر الأمن والجيش والقوات المساعدة والإدارة الترابية تتحول من سلطة قهرية متوجس منها ومتنازع في شرعية تدخلاتها إلى جنود في الصفوف الأمامية تحظى بدعم وتشجيع من كانوا خصومها قبل من ظلوا يثنون عليها.

لقد قادتنا الملكية إلى الخروج من نفق مظلم ومخيف، وحتى إن كنا لم نغادر دوائر الخطر بعد، فماتزال تلك الثقة في قدرتها على بعث الطمأنينة تحل الكثير من الأزمات وتعوض الكثير من النواقص التي خلفها نزيف الثقة في باقي مؤسسات الدولة.

وهذه الملكية تثبت من جديد أنها لا تكل ولا تمل من مطاردة النجاح، والعبور بشعبها إلى بر آمن، لقد وضعت الكثير من المشاريع للمستقبل، ومن أجل أبناء هذا البلد: بحث عن نموذج تنموي جديد، إطلاق مبادرة ضخمة لدعم مشاريع الشباب في التشغيل، وتشجيع أثرياء البلد على دفع «ضريبة على الثروة» في شكل انخراط مواطن في مشاريع الاقتصاد التضامني… لكن كورونا بعثرت كل الأوراق التي تم ترتيبها بين يوليوز 2019 ومارس 2020

ومع ذلك، رب ضارة نافعة، لقد عشنا مرحلة صعبة اكتشفنا فيها صلابة ومتانة دولتنا، واكتشفنا أنه من الممكن تحقيق مصالحة بينها وبين المواطن، واقتنصنا قيما مجتمعية لا تفنى يتربع على عرشها التضامن، وأتيحت فرصة من ذهب أمام لجنة النموذج التنموي لرسم معالم مستقبل الأجيال القادمة بناء على خلاصات اختبار قاس، لكنه أعاد ترتيب وتوضيح أولوياتنا الأكثر استعجالا.

منذ سنوات والملك محمد السادس يشرف بثقله الشخصي على ملفات التعليم، الصحة، التشغيل، الحماية الاجتماعية، التصنيع. لدى هذا الرجل حدس استباقي كبير، وحين كنت أستمع لشكيب بنموسى في ندوته الصحفية قبل أسابيع قليلة سمعته يقول من تأثيرات كورونا على أعمال اللجنة إنه اتضحت حتى الآن الملامح الأولية للمشروع التنموي، أكيد ليس هناك تقرير نهائي، وماتزال أمامنا ستة أشهر، لكن هناك توجهات كبرى: موضوعات من قبيل الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، الصناعة، البحث العلمي، دور الدولة والرقمنة… صعدت إلى الواجهة.

وقبل كورونا، كانت كل خطب الملك تسير على هذا المنوال، ولهذا يقال إن الملوك هم الأكثر استشرافا لحاجات شعوبهم في المستقبل.
ونستطيع أن نقول بكل وضوح ويقين: لقد كانت الأعوام الماضية سنوات لإعادة بناء الدولة، وجاءت الجائحة لتؤكد أنه بإمكاننا الثقة في هذه الدولة، وبإمكاننا أن نبني وننتج مغربا آخر مع ملكية تشجع على الإصلاح والتغيير، بل وتحرض عليهما.

وكل عيد عرش، ومغربنا فخور آمن بملكيته وملكه.

تعليقات الزوّار (0)