"من منا ليس فيه شيء من ثريا" .. يتيمة اعتلت المسرح في سن العاشرة وتوجت في بغداد

الثلاثاء 25 غشت 2020
سكينة بنزين
0 تعليق

AHDATH.INFO

سيدة مسرح بامتياز. عبارة تخللت أغلب التدوينات التي شاركت منذ أمس الاثنين 24 غشت، في نعي واحدة من أكثر النساء حضورا على المسرح في المغرب. السيدة التي تنقلت على جنبات الخشبة بكل ثقة واحترافية وحيوية، ظهرت خلال الأيام الماضية في فيديوهات توثق لخطواتها المتثاقلة وهي تستند إلى بعض المحيطين لتستقر بجهد المنهك على سرير المرض.

لا أحد من محبيها استحب فكرة رؤيتها في ذلك الوضع الذي تتهافت العدسات على توثيقه في لحظات ضعف، بعد أن احتفظوا في ذاكرتهم بصورة ثريا جبران "القامة المسرحية المنتصبة بشموخ"، ليفضل الكثيرون إرفاق متمنياتهم لها بالشفاء مع صور لها فوق المسرح،أو في حفلات تكريم، أو حين كانت يوما أول فنانة في تاريخ المغرب، تتقلد منصب وزيرة سنة 2007.

وبعد انتشار خبر الرحيل أمس الاثنين، تقاسم معارفها ومحبيها صورا سبق أن جمعتهم بها ذات سهر أو لقاء فني، بينما اختار البعض بعد أن خانته العبارة تقاسم ما كتب عن الراحلة بقلم عشاق الحرف الذين يجيدون رسم اللحظة، مستحضرين ما كتبه عنها الزجال أحمد لمسيح ذات إلهام " ليست ثريا امرأة عابرة في الحياة...تأتي إلى الأرض زائرة في صورة عابرة دون أن تقول كلمتها ، ليست امرأة عابرة في صورة عابرة ، في حضور عابر ،ليست فنانة من صنف فنانات المناشف اليدوية ، فكل مسام للخشب تتنفس من حضورها ، إنها فارسة تركب صهوة الركح ،وعندما تنطفئ انوار القاعة تصبح ثريا تضيئ فضاء المسرح المغربي المعتم . من منا ليس فيه شيئ من ثريا ؟ عبر توزيعها البسمة على أطفال الوطن ، ومن خلال وشم في ذاكرتي مدمني الفرجة المسرحية ، من منا لم يفسح لثريا كرمز لفنانة عصامية وذات استمرارية وتصاعد في العطاء الفني المكان اللائق في ذاكرته لتحتله بشرف الفنانة المتفانية واللاهتة وراء الاجادة والتمكن الاحترافي ليس بالمعنى ذي المرجع المالي للاداء ؟ من منا ليس فيه شيء من ثريا عند المِحنة الحالية".

ثريا جبران التي فارقت الحياة بالدار البيضاء أمس الاثنين 24 غشت بمستشفى الشيخ زايد عن عمر ينازهز 68 عاما، ولدت بدرب السلطان سنة 1952 وهي تحمل اسم السعدية قريطيف، لتذوق اليتم صغيرة بعد وفاة والدها، لتتولى والدتها رعايتها ويعوض زوج شقيقتها الكبرى رحيل الاب، ولعل للرجل بصمة في حياتها الخاصة انتقلت لحياتها الفنية حيث حملت لقبه "جبران" الذي أصبح مرافقا لمسيرة شهرتها.

ثريا المسرحية كانت مزعجة في اختياراتها، تصب جرعة من الجرأة في مواضيعها كواحدة من "بنات الشعب" كما وصفها المحبون، ولم يكن الأمر غريبا على من أمضت سنوات طفولتها بالمؤسسة الخيرية عين الشق حيث كانت تعمل والدتها مربية، وكذا زوج شقيقتها محمد جبران الذي كان عاشقا للمسرح وممرضا بدار الأطفال عين الشق، وهو ما وضعها في نسيج يجمع بين الفن وهموم المجتمع لتشق طريقها نحو المسرح وهي في العاشرة بعد المشاركة في مسرحية "اولاد اليوم" للفنان المخرج عبد العظيم الشناوي، لتلتحق بعدها بمعهد المسرح الوطني بالرباط وهي ابنة 17 سنة، متسلحة بممارسة ميدانية وشغف موهبة فتية تتمحور حول قضايا المتواجدين على الهامش..

في مسيرتها محطات. يعرفها المهتمون بهموم المسرح كواحدة من المساهمين في تأسيس "مسرح الشعب"، "مسرح الفرجة"، "مسرح الفنانين المتحدين"، ويعرفها عشاق أبو الفنون بمسرحيات ربطت اسمها بكبار الأسماء من التراث المغربي، كمسرحية" سيدي عبد الرحمن المجدوب"، "أبو حيان التوحيدي" إلى جانب مسرحيات أخرى ك "أبو نواس"، "العين والمطفية"، "جنان الكرمة"، "امرأة غاضبة".

ثريا وعلى غرار المسكونين بهوس الخشبة، كانت لها تجارب مميزة في لعب أدوار تعفي المشاهد من الغوص في كتابات المشاكسين من أمثال محمد الماغوط، بروتولد بريخت، حين أدت مسرحية حكايات بلا حدود، وبوغابة التي تقمصت فيها دور رجل، قبل أن تتوج بجائزة أحسن ممثلة عربية في مهرجان بغداد سنة 1985، بعد أداء متميز ضمن فرقة الممثلين العرب، التي تأسست في الأردن، على يد نخبة من المسرحيين من المغرب، لبنان، العراق، سوريا، فلسطين، لتوسع من مساحة الركح الذي حملها إلى عواصم خارج المغرب.

وحتى أولئك الذين لم تتح لهم الفرصة يوما للتعرف على ثريا وهي تطوي مساحة المسرح باحترافية من أتقن لغة الجسد، يحتفظون في ذاكرتهم لسيدة أطلت على التلفاز في بعض الأعمال التي طالها مقص الرقيب بسبب نصوص مزعجة، أو خلال وصلات توعية يذكر الكثيرون لازمتها "آ ناري جابها فراسو" خلال التحسيس بخطورة عدم احترام قوانين السير، اعتمادا على حضور سيدة كانت دائما قريبة من المغاربة بلغتها وعفويتها.

وسط كل المحطات التي ميزت مسيرتها الفنية المزعجة للبعض بسبب جرأتها، يبقى لغز اختطافها في نهاية الثمانينات محطة معلقة فضلت القفز فوقها، وذلك تزامنا مع موعد استقبالها في برنامج حواري على القناة الثانية، حيث ظهرت بعد ذلك وقد حلق شعرها!!

قبل رحيلها تحت وطأة المرض، سبق أن كان لوضعها الصحي الكلمة الفصل في تقديم استقالتها بعد سنتين من استوزارها والتي حرصت من خلالها على إعطاء الأولية لما هو اجتماعي للفنان وفي مقدمتها التغطية الصحية وبطاقة الفنان، رغم ما رافق فترة استوزارها من انتقادات حاولت أن تشكك في أحقيتها بالمنصب، لكن المدافعين عنها تمسكوا بأنها ابنة الميدان الفني التي استطاعت أن تراكم تجارب ونجاحات انتهت بمنحها وسام الاستحقاق الوطني من الملك الراحل الحسن الثاني، ووسام الجمهورية الفرنسية للفنون والآداب من درجة فارس.

تعليقات الزوّار (0)