أبو يهدة يكتب: مدن بالأبيض والأسود!

الثلاثاء 29 شتنبر 2020
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO- محمد أبويهدة

في واقعنا المغربي مهما اجتهدت النظريات السياسية في إنتاج ترسانة من الممارسات لإصلاح العملية السياسية تقنيا وقانونيا وأخلاقيا، يظل الفعل الاجتماعي هو المؤثر في الممارسة السياسية وصانعها وموجهها.

في المغرب مثلا مازال الخطاب الديني مؤثرا في السياسة وكل شعارات الإصلاح التي رفعها البيجيدي كانت تنهل من هذه المرجعية، لكن رغم أنها تعزف على الوتر الحساس وتؤدي مفعولها خلال الحملات الانتخابية، فإنها ظلت مجرد شعارات بعيدة كل البعد عن سياسات حقيقية يمكنها أن تحد من هذه الآفة. ورغم أن الحزب دافع أكثر من مرة عن سياسته البراغماتية في وجه كل من يتهمه باستغلال الدين، إلا أنه على مستوى خطابه التسويقي كان يفشل دائما في رفع التهمة عنه.

مع مرور الوقت سيفهم الناخب اللعبة، لذلك فإن ما سيسقط البيجيدي في الحرج ليس التكتيكات السياسية، ولا التقطيعات الانتخابية إنما فشله في المدن التي آل إليه تدبيرها عقب انتخابات 2015.

لماذا؟ لأنها كانت تشكل المختبر الميداني الذي يراقبه المواطن وكانت القضايا المحلية هي الأكثر تأثيرا من وهم تدبير الشأن العام، وتدبير التحالفات وتدبير السياسة الاقتصادية للبلاد، التي كشفت جائحة كورونا عوراتها الكثيرة.

في الدار البيضاء، المدينة التي لا تنمو سوى على المستوى الديموغرافي، لم يستطع الحزب الذي يقود التحالفات الحزبية كما يقود تحالفات الحكومة، تحسين وتطوير العديد من الخدمات التي تعتبر أساس الحياة اليومية للمواطن، واضطرت المصالح المركزية للتدخل أكثر من مرة لضمان الحد الأدنى منها، رغم تدهورها وعدم استجابتها لحاجيات الساكنة التي كانت تنتظر طفرة نوعية.

مثلا خلال تدبير أزمة جائحة كورونا لم تتمكن المدينة من السيطرة على تفشي الوباء، علما أن الأمر ليس حكرا فقط على المصالح الصحية وباقي المتدخلين إنما للمصالح الجماعية جزء كبير من المسؤولية، لاسيما على مستوى التدابير الوقائية، خاصة في النقل الذي بات يشكل اليوم بؤرة وبائية متنقلة.

من جهة أخرى، أثبتت التقارير أن المدينة لم تستطع ضمان مكان لها في لائحة المدن «الذكية» التي تم نشرها مؤخرا فمرافقها التي تسير بغباء تفتقد إلى لمسة تبين أنها تواكب التطور التكنولوجي الذي لم يعد امتيازا بل أسلوب حياة.

الكثير من المدن الكبرى سقطت خلال الانتخابات الجماعية الماضية بين يدي تحالفات يقودها حزب العدالة والتنمية، منها الرباط والعاصمة الاقتصادية ومراكش والقنيطرة وأكادير وفاس ومكناس…. لم يجتهد هذا الحزب الذي وعد المغاربة بتغيير وجه هذه المدن، سوى في مسح وجهها بالمساحيق التي سرعان ما زالت، وهي في الحقيقة لم تكن لتخدع الساكنة التي تعرف «خروب بلادها».

انتقاد حزب العدالة والتنمية لا ينطلق من منظور حزبي أو سياسي ضيق كما قد يعتقد البعض، ولكنه ببساطة لأن صناديق الاقتراع التي يتباهى الحزب بنتائجها، هي التي حكمت بوضعه في منصب المسؤولية، ومع مرور الوقت وظهور الكثير من الاختلالات والمحاكمات التي طالت عدد من رؤساء الجماعات، سقطت الكثير من الأقنعة التي تم الترويج لها إبان الحملات الانتخابية.

في سنة 2020 التي نحياها اليوم، وهو رقم دال ومغر على مستوى الخيال العلمي، كان من الممكن أن تكون مدننا أكثر تنظيما وأكثر خدمة وأكثر تهييئا، سهلة الولوج والمرور والتنقل، تعكس فضاءاتها كل ألوان الحياة، لكنها ظلت بسبب اختلالات التدبير متسربلة فقط بالأبيض والأسود.

تعليقات الزوّار (0)