الإمارات تنحاز للمغرب وتصفع الجزائر

الأربعاء 28 أكتوبر 2020
يونس دافقير
0 تعليق

AHDATH.INFO

مكالمة هاتفية بين الملك محمد السادس وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تصنع حدثا ديبلوماسيا ضخما بأكثر من دلالة: المغرب والإمارات يطويان صفحة البرود بينهما، الإمارات تحسم تحالفاتها في المنطقة المغاربية لصالح المغرب على حساب الجزائر، صدمة في الجارة الشرقية من الخطوة الإماراتية، الإمارات أول دولة عربية تفتح قنصلية في العيون، أبو ظبي تدعم مغربية الصحراء في سياق متوتر في أقاليمنا الجنوبية.

لا شيء كان متوقعا من هذا القبيل قبل الثامنة والنصف من ليلة الثلاثاء، في هذا التوقيت سيصدر بلاغ عن الديوان الملكي، يخبر أن الملك محمد السادس أجرى خلال نفس اليوم اتصالا هاتفيا مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة. بنية البلاغ جاءت متقونة في تبليغ الرسائل: لم تكن هناك قطيعة بين البلدين رغم ما قد يبدو من جفاء بينهما، ولذلك يقول البلاغ إن الاتصال يأتي «في سياق التنسيق والتشاور الدائمين بين قيادتي البلدين، وما يجمعها من عمق أواصر الأخوة الصادقة والمحبة المتبادلة، وكذا في إطار علاقات التعاون المثمر والتضامن الفعال التي تجمع المملكة المغربية بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة».

بعد الإشارة الوجدانية لعمق العلاقة التي تجعلها تسمو فوق الظرفيات بما فيها اختلافات التقدير في الكثير من الملفات العربية والدولية، يأتي الإنجاز الديبلوماسي غير المسبوق عربيا وإسلاميا: «خلال هذا الاتصال، أخبر سمو ولي عهد الإمارات العربية جلالة الملك بقرار بلاده فتح قنصلية عامة بمدينة العيون، بالأقاليم الجنوبية للمملكة». ثم يصف البلاغ هذا القرار بـ«التاريخي الهام الداعم للوحدة الترابية للمملكة على هذا الجزء من ترابه، خاصة وأن الإمارات شاركت في المسيرة الخضراء المظفرة».

«هل عاكست الإمارات المغرب في بعض مصالحه؟» ‪تحمل الفقرتان الأخيرتان من البلاغ الإجابة عن هذا السؤال: «أعرب جلالته عن اعتزازه العميق بقرار الإمارات، كأول دولة عربية، تفتح قنصلية عامة بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو قرار يجسد موقفها الثابت في الدفاع عن حقوق المغرب المشروعة وقضاياه العادلة، ووقوفها الدائم إلى جانبه في مختلف المحافل الجهوية والدولية». ليضيف أنه «قرار ليس بغريب عن دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة وقيادتها الحكيمة، في نصرة القضايا العادلة والمشروعة».

ويلاحظ الدكتور محمد الزهراوي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن «الملفت في هذا القرار المفاجئ أنه جاء في سياق خاص، إن على مستوى العلاقة بين الدولتين التي شهدت حالة من الفتور والجفاء طيلة ما يقارب السنة والنصف، أو على مستوى الظرفية التي تمر بها قضية الصحراء في ظل المناوشات والاستفزازات والتحركات (عرقلة معبر الكركرات اليوم السابع من طرف ميليشيات البوليساريو) التي يقودها النظام العسكري الجزائري بالتزامن مع قرب صدور قرار مجلس الأمن نهاية هذا الشهر».

ويستخرج الزهراوي ثلاثة مستويات لدلالات ورسائل الخطوة الإماراتية، أولها «المستوى العلائقي، حيث بهذا القرار تكون دولة الإمارات قد طوت صفحة الماضي، ومهدت لإغلاق قوس الخلاف أو سوء الفهم الذي كاد أن يعصف بالعلاقة بين الطرفين، لاسيما وأن الفتور تحول في محطات معينة إلى تباين حاد على مستوى المواقف والسياسات». ثم المستوى الجيوسياسي «إذ بهذا القرار تكون الإمارات قد حسمت موقفها وتحالفاتها الاستراتيجية مع دول المغرب الكبير، وعادت بذلك إلى دائرة حلفائها التقليديين. فعكس المؤشرات السابقة، وبعد سلسلة من اللقاءات التي أشرت على نوع من التقارب أو التحالف الذي صار معلنا في فترات معينة خلال السنة الماضية مع جنرالات الجزائر المتنفذين (الزيارات المتكررة للإمارات للجنرال الراحل قايد صالح والحالي شنقريحة)».

ويضيف الباحث أن الإمارات غيرت «البوصلة بسرعة قياسية ودون سابق إنذار في اتجاه المملكة المغربية، وهو تحول من المحتمل أن يستتبعه تغير على مستوى المواقف والسياسات والتحركات في المنطقة المغاربية خاصة على مستوى بعض الملفات كالملفين الموريتاني والليبي». ويخلص الزهراوي إلى أن «عودة العلاقة بين الطرفين وفق المتغير المرتبط بدعم الوحدة الترابية للمغرب من خلال فتح قنصلية، قد يساهم في تقريب وتليين المواقف تجاه بعض الملفات الإقليمية الحيوية كالملف الليبي، وإيجاد مساحات للتفاهم والتنسيق وإعادة ترتيب الرؤى بشأن التواجد الإماراتي في موريتانيا بما يخدم مصالح الأمن القومي المغربي».

وفي المستوى الجيو-استراتيجي، يلاحظ الزهراوي أن فتح دولة الإمارات قنصلية بمدينة العيون «يعتبر تحولا أساسيا في مسار الحرب الدبلوماسية التي يقودها المغرب ضد خصومه، إذ ستفتح هذه المبادرة الباب أمام باقي الدول الخليجية والعربية بعدما ظلت لشهور محصورة على مستوى الدول الإفريقية. إن خطوة دولة الإمارات، بقدر ما ستسهم في تدعيم وتقوية العلاقة مع المغرب، بقدر ما أنها سوف تسبب بعض الإحراج إن جاز التعبير، أو تكشف حقيقة مواقف بعض الأطراف الخليجية التي ما فتئت تعمل على إنتاج خطاب رمادي/ مزدوج، يعادي ويناصر في الوقت نفسه، لكن، ليس بحسب درجة التقارب أو المصالح والتحالفات، بل يتجاوز هذا المنطق الكلاسيكي، وصار يوظف ورقة الصحراء للمساومة والابتزاز».

ويأتي قرار الإمارات بعد افتتاح ثلاث قنصليات الأسبوع الماضي بمدينة الداخلة جنوب العيون لكل من بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية وغينيا بيساو، ليرتفع مجموع الممثليات الدبلوماسية الأجنبية بالمدينتين إلى 15 قنصلية لبلدان إفريقية منذ أواخر العام الماضي.

وفي هذا السياق يقول الزهراوي: «في هذا المستوى الجيو-استراتيجي، من المحتمل أن يعيد تشكيل ورسم خريطة تحالفات المملكة قاريا وعربيا ودوليا»، حيث إن «محدد الدعم الميداني»، من خلال فتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية من الوارد أن يصبح محددا أساسيا في رسم توجهات وتحالفات المملكة المغربية، وهو ما يؤشر على تقوية دائرة الداعمين الحقيقيين والمفترضين للوحدة الترابية في فترات السلم والحرب، لاسيما وأن المنطقة باتت مفتوحة على كافة السيناريوهات في ظل انحسار وتلاشي «حلم الانفصال»، إذ إن وجود القنصليات في منطقة الصحراء المتنازع حولها منذ سنوات والمطروحة أمام منظمة الأمم المتحدة، يكتسي رمزية ودلالة بالغتين على مستوى المنتظم الدولي لما لذلك من انعكاسات ميدانية واقتصادية وعسكرية وسياسية ومعنوية على أطراف النزاع.

تعليقات الزوّار (0)