صِناعة الوَهم في الصحافة الإسبانية: حينما يَتحوَّل “النصاب” إلى جيمس بوند بفضل السفر عبر الزمن

بواسطة الثلاثاء 8 سبتمبر, 2026 - 16:27

في سَقطة مِهنية جديدة تكشف حجم الاستخفاف بعقول القُراء، أتحَفتنا الصحافة الإسبانية، وتحديداً صحيفتا “إل ديباتي” (El Debate) و”آ بي سي” (ABC) يوم 8 سبتمبر 2026، بسيناريوهات استخباراتية تبدو وكأنها مَسروقة من أسوأ نصوص أفلام هوليود من الدرجة الثانية.

فقد خَرجت علينا الصحفية “كيتي غارات” في “آ بي سي” بادعاءات تُصور المهدي حيجاوي كعقل مُدبر لعمليات اختراق هواتف كبار قادة أوروبا، زاعِمة أنه كان “الرقم اثنين” في المخابرات المغربية وقائد وحدة “أطلس” النخبوية، وأنه يَقف شخصياً خلف اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بواسطة برنامج “بيغاسوس”!.

ولم تتوقف القصة هنا، بل تكفل الصحفي “أليخاندرو إنترامباساغواس” في “إل ديباتي” بإكمال المشهد السينمائي، زاعماً أن هذا “الجاسوس الخطير” يَعيش متخفياً في شقة بضواحي مدريد ومزرعة في كاسيريس، هارباً بملفات “فائقة السرية” و2.6 “جيغابايت” من البيانات كبوليصة تأمين، في سَردية تسعى يائسة لتصوير هارب من العدالة كصندوق أسود لأسرار الدولة، وهو المشهد الذي يَعكِس حالة من الإفلاس الصحفي، حيث يتم تدوير الخيال وتحويله إلى “سبق صحفي” لتبرير أزمات سياسية داخلية، دون أدنى احترام لأبسط قواعد المنطق والتحقق.

وإذا أردنا أن نَقيس مدى غباء هذه السردية الإعلامية، فلا نحتاج لأكثر من عملية حسابية بسيطة تَفضح هذا التلفيق الساذج، حيث تدعي الصحافة الإسبانية بجُرأة يُحسدون عليها أن حيجاوي هو من أشرف على عملية اختراق هواتف ماكرون وسانشيز ببرنامج “بيغاسوس” في سنة 2022، لكن الحقيقة الموثقة والتي تتجاهلها هذه المنابر عمداً، هي أن المهدي حيجاوي تم عَزله وطرده من صُفوف جهاز المخابرات المغربية (DGED) في سنة 2010!

فكيف يُمكن لشخص جُرِّد من مَهامه وصلاحياته قبل أكثر من 12 عاماً من تاريخ واقعة “بيغاسوس” أن يُدير عملية تجسس سيبرانية مُعقدة تتطلب إمكانيات دولة؟ فهل استخدم حيجاوي آلة زمن للعودة إلى مَقرات المخابرات التي طردته ليَقود “وحدات النخبة”؟ أم أن الصحافة الإسبانية تَعتقد أن برمجيات الاختراق التي تُكلف ملايين الدولارات تُباع في الأسواق الأسبوعية ليَتصرف فيها شخص مَعزول لحساب جهة لفظته منذ عقد ونصف؟

إن مُحاولة إلصاق تُهمة “بيغاسوس” بشخص لا يَملِك أي صِفة رسمية منذ 2010، تَكشف أن الهدف ليس كشف الحقيقة، بل إيجاد “بطل شرير” وهمي يُمكِن تحميله مسؤولية تغييرات الدبلوماسية الإسبانية، حتى لو تَطلَّب الأمر نَسف قوانين الفيزياء والمنطِق.

ولكي تَكتمِل فُصول المسرحية الهزلية، يُقدم لنا تقرير “إل ديباتي” تفاصيل عن شبكة علاقات هذا “العميل الخارق” في منفاه الإسباني. وبدلاً من أن نجد شخصيات استخباراتية وازنة أو قادة دوليين، نفاجأ بأن أقرب مقربيه هو أمين بلخويا، رجل الأعمال المقيم في “مالقا” والمدير السابق لشركة “كيا موتورز المغرب”.

وللمُفارقة، فهذا “الحليف الاستراتيجي” لحيجاوي ليس سوى شخص قضى قرابة عامين في سجن عكاشة بالدار البيضاء (بين 2014 و2016) على خلفية اتهامات ثقيلة بخيانة الأمانة، والنصب، واختلاس ما يقارب 30 مليون درهم لجهات بنكية وعقارية.

وهنا يَسقط القناع تماماً؛ فنحن لسنا أمام “الرقم اثنين” في الاستخبارات الذي يُزلزل عواصم أوروبا كما يدعون، بل أمام نصّاب عادي يَبحث عن مَلاذ آمن بين أمثاله من ذوي السوابق والمشاكل القضائية.

إن مُحاولة الصحافة الإسبانية إضفاء طابع الغموض والأهمية على اجتماعات تدور بين مسؤول مَطرود منذ 15 عاماً ورجل أعمال مُتهم باختلاس الملايين، هي مُحاوَلة بائسة لتحويل عصابة من المحتالين الهاربين من العدالة إلى “شبكة تجسس دولية”. هذا الانحِدار في اختيار المصادر يَعكِس رغبة مَحمومة في خلق “بُعبُع” مغربي بأي ثمن.

وفي المحصلة، لا يُمكن قراءة هذا الهذيان الإعلامي إلا في سياق سياسي إسباني مُحتقِن يبحث عن مَشجَب لتعليق إخفاقاته، فاستحضار اسم حيجاوي اليوم، وربطه زيفاً بقضية إقالة وزيرة الخارجية السابقة أرانشا غونزاليس لايا، والتحول التاريخي في مَوقف مدريد تجاه قضية الصحراء، وتسريبات مَجموعة “جبروت” الوهمية، هو مُجرد محاولة لتبسيط سياسات دولية مُعقدة وحصرها في قصة “ابتزاز” خيالية.

إن الإعلام الإسباني، الذي لم يَستطع تقبل فكرة أن الأجهزة الأمنية المغربية باتت تَفرِض إيقاعها بِنِدِّية وواقعية كبيرة، يُفضل الركون إلى نظرية المؤامرة. ولأنهم لا يَملكون أدلة حقيقية على مَزاعم التجسس التي صدعوا بها رؤوس العالم، فقد لَجؤوا إلى إعادة تدوير شخص مَعزول ومُحترق منذ عام 2010، وألبسوه عباءة خبير سيبراني، في استغباء واضح للقارئ.

إن صناعة هذه الأساطير لا تُدين المغرب أو أجهزته التي طَوَت صفحة هذا الشخص منذ سنين طويلة، بل تُدين صحافة فَقدت بوصلتها المهنية، وارتَضَت أن تتحوَّل إلى مِنصة لتبييض سجل النصابين الفارين، طالما أنهم يُرددون الأسطوانة المشروخة التي تُطرِب آذان اليمين والجهات المعادية للمغرب في مدريد.

آخر الأخبار

بطاقة ائتمان في أمعائنا.. الأرقام المرعبة للتلوث البلاستيكي!
إعداد الدكتور محمد بمقدور أستاذ التعليم العالي لم يعد التلوث البلاستيكي مجرد شريط وثائقي نتابعه عبر الشاشات لنشاهد سلحفاة بحرية عالقة، بل تحول إلى أزمة بيئية وصحية طارئة تمس تفاصيل حياتنا اليومية وتسري في أجسادنا؛ إذ يُنتج العالم أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك سنوياً، يذهب ثلثاها تقريباً في منتجات قصيرة العمر تُلقى سريعاً […]
6059  توقيفا ومئات المصابين في إضرابات ثانويات فرنسا.. ماذا لو حدث هذا في المغرب؟
لو كان الرقم مغربيا، ربما لم يكن سيحتاج إلى أكثر من دقائق حتى يتحول إلى عناوين عن «القمع» و«تسلط الأجهزة» و«أزمة حقوق الإنسان». لكنه رقم فرنسي: 6059 عملية توقيف منذ 28 شتنبر، في احتجاجات تلاميذية هزت فرنسا وامتدت من ضواحي باريس إلى مدن عديدة، فيما تؤكد السلطات أن الغالبية الساحقة من الموقوفين قاصرون. السؤال هنا […]
المغرب ولبنان يعززان تعاونهما القضائي بثلاث اتفاقيات في المجال الجنائي
عزز المغرب ولبنان تعاونهما القضائي بتوقيع ثلاث اتفاقيات في المجال الجنائي، اليوم الإثنين بالرباط، وذلك بمناسبة زيارة العمل التي يقوم بها وزير العدل اللبناني إلى المملكة. ووقع الاتفاقيات وزير العدل عبد اللطيف وهبي ونظيره اللبناني عادل أمين نصار، وتشمل المساعدة القضائية المتبادلة في المسائل الجنائية، ونقل الأشخاص المحكوم عليهم، إلى جانب تسليم المطلوبين بين البلدين. […]