الارتقاء بالنقاش العمومي ليس ترفا أخلاقيا، ولا محاولة لفرض لغة خشبية على فضاء سياسي يفترض بطبيعته الاختلاف والصراع. هي دعوة إلى حماية السياسة نفسها، وإلى فتح النقاش الوطني على آفاق أرحب من الخصومات الشخصية والمواجهات الثنائية التي لا تنتج فكرة، ولا تقدم بديلا، ولا تجيب عن سؤال واحد من الأسئلة التي تشغل المغاربة.
فمن يتولى رئاسة حزب سياسي، أو يمثل الأمة داخل البرلمان، أو يتحمل مسؤولية عمومية أو منتخبة، لا يتحدث في المجال العام بصفته الشخصية فقط. وراءه مؤسسة، وتاريخ، ومناضلون ومتعاطفون، وأحيانا آلاف المواطنين الذين منحوه ثقتهم. لذلك تصبح الكلمة عنده مسؤولية، ويصبح ضبط النفس جزءا من شروط القيادة، خصوصا عندما يحتدم الخلاف.
على مرمى حجر من الاستحاقاق الانتخابي الوشيك، المغرب اليوم في حاجة إلى سياسيين يوسعون أفق النقاش، لا إلى سياسيين تضيق بهم مساحة الاختلاف حتى تتحول السياسة عندهم إلى خصومات شخصية. نريد أن نسمع منهم ماذا يقترحون للاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل، وكيف يتصورون مستقبل الشباب والطبقة الوسطى والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية. أما أن يتحول جزء من النقاش السياسي إلى من قال ماذا عن فلان، وبماذا سيرد عليه فلان.
والأمر يصبح أكثر خطورة عندما ينتقل مسؤول سياسي من النقد، مهما كانت حدته، إلى استعمال عبارات تشهيرية أو تحريضية في مواجهة مسؤول إعلامي أو مؤسسة صحافية. فالكلمة التي يطلقها رئيس حزب ليست كأي كلمة. خلفه متعاطفون وأنصار وجمهور قد يعتبر بعضهم ما يقوله إشارة تسمح له بالذهاب أبعد منه، فيتحول الخلاف بين سياسي وصحافي إلى حملات منظمة ضد إعلاميين ومؤسسات، وقد ينفتح الباب أمام السب والتحريض والتشهير الجماعي.
وهنا تظهر مسؤولية القيادة السياسية.
عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، يقدم مثالا واضحا على هذا الإشكال حين فتح باب التشهير و السب على الصحافة والصحافيين من خلال استعمال قاموس شعبوي ”زنقاوي” و خطير ، مستعملا أوصافا مهينة وتعبيرات مستمدة أحيانا من معجم حيواني لا يليق بنقاش بين مسؤول سياسي وإعلاميين فقط لانهم يخالفونه الرأي او العقيدة.
والمشكلة اليوم ، في النموذج الذي يقدمه: فإذا كان زعيم حزب سياسي يسمح لنفسه بمخاطبة الصحافيين بهذه اللغة، فما الذي سيمنع المتعاطف معه من اعتبارها ترخيصا ضمنيا باستعمال لغة أخطر؟
والأمر نفسه ينسحب على الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين عندما ينزلق الخلاف مع صحافي من مساحة النقاش والرد والانتقاد إلى مستوى التشهير.
هنا أيضا يصبح السؤال أكبر من أوزين ومن الصحافي الذي يختلف معه. السؤال يتعلق بصورة رئيس حزب سياسي، وبالحدود التي ينبغي أن يضعها لنفسه عندما يخوض معركة في المجال العام. ونقول هذا من موقع نأمل من خلاله أن نلمس سياسة راقية.
إذا اعتبر مسؤول سياسي أن مادة صحافية أضرت به، فهناك آليات مهنية ومؤسسات مختصة عندما يتعلق الأمر بما يراه تشهيرا أو قذفا أو مسا بحقوقه. يقدم شكاية، يعرض حججه، ويترك للمؤسسات أن تقول كلمتها. تلك هي دولة القانون التي يفترض بالسياسي، أكثر من غيره، أن يدافع عنها ويقدم المثال في احترامها.
أما أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى محاكم، وأن يصبح الزعيم السياسي قاضيا ومدعيا وطرفا في القضية في الوقت نفسه، ثم يضع خصمه أمام جمهور من المتابعين والمتعاطفين، فذلك يعيدنا من منطق المؤسسات إلى منطق الشارع الرقمي، حيث لا دليل مطلوبا ولا حق في الدفاع ولا حكم سوى عدد المشاركات والتعليقات وحجم الشتائم.
وما نرفضه تحديدا هو أن تتحول الخلافات إلى فرصة لصيادي المياه العكرة، وأن يصبح كل نزاع محدود مناسبة لتأليب السياسيين على الصحافيين . فالبلد يحتاج إلى مؤسسات قوية، وأحزاب محترمة، وصحافة ذات مصداقية، ونقاش عمومي يستطيع أن يكون حادا وقويا من دون أن يكون سوقيا أو تحريضيا.
