قبل أن أدخل في صلب هذا الموضوع، أجد من الضروري أن أوضح موقفي حتى لا يقرأ هذا المقال خارج سياقه أو يؤول بعيدا عن ما يتضمنه من أفكار واضحة وصريحة.
أنا صحافي في جريدة الأحداث المغربية، وخطي التحريري معروف بمواقفه الوطنية الحادة، وبانحيازه الثابت والجريء إلى المصلحة العليا للمغرب، وأمنه واستقراره ومصالحه الاستراتيجية. وموقفي من العلاقات المغربية الإسرائيلية ليس موقفا شخصيا منفصلا عن الدولة، بل هو الموقف نفسه الذي تعبر عنه المؤسسات الرسمية للمملكة. كما أن موقفي من القضية الفلسطينية هو، بدوره، منسجم مع ما تعبر عنه وزارة الخارجية المغربية في بلاغاتها ومواقفها الرسمية، وخطي التحريري في الكتابة ومعالجة القضايا واحد لم ولن يتغير، محبرته المصلحة الوطنية، ومداده أمن الوطن واستقراره ورفاهه.
أكتب أيضا من منطلق من يعي جيدا كلفة ترك خطاب التكفير يتمدد داخل المجتمع، إذ أعرف الثمن الباهظ الذي دفعته المملكة بعد أن انتقل التشدد من خطاب وأفكار إلى تحريض، ثم إلى شبكات إرهابية استهدفت مدنا ومواطنين، بعد تفشي وباء “التكفير” في خطابات الإخوان والسلفيين.
منذ 16 ماي 2003، خاضت الدولة حربا شرسة متعددة الجبهات ضد التطرف والإرهاب، وبذلت مجهودات جبارة في تفكيك الخلايا، تطوير العمل الاستخباراتي، تشديد الترسانة القانونية، إعادة هيكلة الحقل الديني، تعزيز المرجعية الدينية الرسمية، إصلاح التعليم العتيق، تأهيل الأئمة والمرشدين والمرشدات، وضبط الخطاب الديني داخل المساجد، إلى جانب سياسات الوقاية والإدماج.
كانت الرسالة واضحة. الأمن لا يبدأ لحظة وقوع الجريمة، بل يبدأ من رصد الخطاب الذي يمهد لها، واليوم، يطل علينا التطرف من جديد، بقناع أكثر خطورة، من خلال الوصم “بالتصهين” في حق كل من يختلف مع الأجندة السياسية للمتاجرين بالدين.
لا يتعلق الأمر هنا بانتقاد إسرائيل أو بالتعبير عن رفض إقامة علاقات رسمية معها لأن الانتقاد فعل مشروع ما لم يتحول إلى تحريض يمس أمن المجتمع، وليس للظاهرة أي علاقة بالدفاع عن فلسطين لكون الفلسطينيين أنفسهم تجمعهم علاقات وطيدة مع إسرائيل في التنسيق الأمني والمالي وفي عدد من المجالات، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يقوم البعض بتحويل كلمة “متصهين” إلى نمط جديد من التكفير، يستعملونه على شكل تهمة جاهزة هدفها الوصم والاغتيال الرمزي، يتم إلصاقها بكل من يفشلون في مواجهة خطه التحريري الصحفي منه والسياسي.
وهنا ينبغي أن ندق ناقوس الخطر بسبب تفشي ظاهرة التكفير من جديد تحت عباءة الصهينة، لأن آلية العمل واحدة، فبدل مناقشة الفكرة، يجري إعدام صاحبها رمزيا، وبدل الاختلاف السياسي، يجري صناعة عدو داخلي، لنجد أنفسنا اليوم نعود إلى نقطة الصفر بعد أن بذلت المملكة عقودا من مكافحة الخطاب المتطرف الذي يعد من أكبر مداخل الإرهاب.
لقد احتاج المغرب سنوات من العمل الأمني والديني والمؤسساتي لمحاصرة خطاب التكفير حتى صار النموذج المغربي في محاربة التطرف مكتسبا دوليا للمملكة، لذلك لا يجب التفريط فيه والتسامح مع من يريدون هدمه، كما لا يمكن استصغار إعادة تعليبه وإنتاجه تحت عنوان “التصهين”، واختزاله في أنه مجرد مزايدات سياسية عابرة.
المطلوب اليوم من النخب السياسية والثقافية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وتغلب المصلحة العليا للوطن على أي حسابات مهما كانت تبقى صغيرة بالمقارنة مع أمن الوطن واستقراره، ولا بد من تفعيل يقظة إعلامية مبكرة أمام خطاب يعيد إنتاج منطق التكفير تحت مسمى جديد. فكما لم يكن الإرهاب وليد لحظة التفجير، فإن تبعات خطاب الوصم بـ “التصهين” تبدأ بالكلمة التي تنزع عن الآخر وطنيته وشرعيته وحقه في الاختلاف.
لقد نجح المغرب، بكلفة كبيرة وبعمل أمني وديني ومؤسساتي متراكم، في محاصرة خطاب التكفير وتجفيف كثير من منابعه، ولذلك فإن السماح بإعادة إنتاج المنطق نفسه تحت عنوان “التصهين” سيكون خطأ استراتيجيا لا ينبغي الاستهانة به.
وسواء العبد لله أو غيري الكثيرون ممن يدفعون يوميا ثمن خطهم التحريري الوطني باهظا، سنرحل ذات وتلك سنة الحياة التي لا يستثني منها أحدا. لكن الوطن يجب أن يبقى، وتبقى مؤسساته، وأمنه واستقراره. قد نختلف، وقد ننتقد، وقد نخطئ في التقدير، لكن ما يجب ألا نختلف حوله هو أن المغرب أكبر من كل المزايدات، وأبقى من كل الأحزاب والتيارات والحسابات العابرة، وهذه وحدها كافية لكي نعرف أين ينبغي أن تكون البوصلة.
