يمر حزب الأصالة والمعاصرة اليوم بتجربة تستحق أن تُقرأ بإيجابية، بعيدا عن الأحكام الجاهزة. فمنذ اعتماد القيادة الثلاثية بتنسيق الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، ظل بعض المتابعين يتساءلون عن جدوى هذا الاختيار الحزبي والتنظيمي، وعن إسناد رئاسة المجلس الوطني إلى الشابة نجوى كوكوس.
بل إن منهم من سخر من نتائج المؤتمر الأخير لحزب الأصالة والمعاصرة، واعتبرها عنوانا لضعف مؤسساتي قد ينعكس على مكانة الحزب، فيما راح آخرون يطرحون أسئلة عن الأسماء التي تتحمل فعليا مسؤولية القيادة.
لكن التجربة مضت في مسارها، وأثبتت قدرتها على إدارة الاختلاف وتدبير الأزمات والمطبات التي عرفها الحزب خلال السنتين الأخيرتين، وتدبير هذه المسؤولية بكل ما لها وما عليها.
واليوم، يتولى حزب الأصالة والمعاصرة رئاسة الحكومة، وتتقدم فاطمة الزهراء المنصوري واجهة هذا التحول، في لحظة تفتح آفاقا جديدة أمام حضور النساء في مواقع القرار.
ومن يستهين بقدرات النساء، عليه أن يتأمل جيدا في تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري، فهذا الاختيار يحمل دلالة سياسية ومؤسساتية كبيرة، ويؤكد أن الكفاءة والقدرة على القيادة لا تحدهما الصور النمطية ولا شماعة الذكورية السياسية والمؤسساتية.
إن وصول امرأة إلى هذا الموقع ليس مجرد حدث عابر، بل رسالة ثقة في قدرة النساء على تحمل المسؤولية والمساهمة في قيادة البلاد.
واليوم، وفي متابعة أشغال اللقاء الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، استوقفني مشهد المنسقة الوطنية وهي تخاطب قيادات سابقة وحالية للحزب، بما تختزنه من رصيد مؤسساتي واقتصادي واجتماعي ومجتمعي. بدا المشهد تعبيرا عن تحول عميق في صورة القيادة السياسية، وعن حضور امرأة تتوجه إلى حزبها وقياداته بثقة ومسؤولية وكاريزما.
وقلت في نفسي: شكون يعطيني عوينة نشوف كيفاش كتسير فاطمة الزهراء المنصوري اجتماعات المكتب السياسي؟ وكيف تدير الاختلاف؟ وكيف تبني التوافق؟ وكيف تحول المسؤولية إلى عمل جماعي؟ وكيف يتفاعل معها باقي أعضاء المكتب السياسي؟
أتصور أن البعض حاول إيقاف قدرتها بتلك المناوشات الذكورية المعروفة والسمجة، لكنها انتصرت، وقادت حزبها ليحتل المرتبة الأولى في المقاعد والأصوات.
فهل من خلال هذه التجربة سنخطو جميعا نحو كسر نظام الباطولوجيا الذكورية الذي ظل مهيمنا على المجالين السياسي والمؤسساتي لسنوات طويلة، ببنياته الغارقة في تمثل العنف بكل أشكاله والإقصاء؟
فمثل هذه الأسئلة لا تنبع من الشك في قدرة النساء، بل من الرغبة في فهم تجربة قيادية تستحق المتابعة والتأمل والدراسة.
لذلك، تبدو تجربة الأصالة والمعاصرة اليوم مناسبة للتفكير في معنى القيادة النسائية، وفي ما يمكن أن تضيفه إلى الحياة السياسية والمؤسساتية. والرهان الأكبر أن يتحول هذا الحضور إلى ممارسة راسخة في الحياة الحزبية والسياسية والمؤسساتية، وأن يتيح لنساء المغرب المشاركة الكاملة في صنع القرار السياسي والمؤسساتي، ويمنح الكفاءة النسائية مكانها المستحق.
وفي النهاية، أقول لمن يعتقد أن الاستخفاف بقدرات النساء في التدبير السياسي والمؤسساتي هو نوع من التذاكي على خطاب الحداثة والمشاركة السياسية للنساء: عليه أن يعي أن ملكنا محمد السادس عين الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة لحكومة المغرب.
