الثورة الـ 210 مليار درهم.. خارطة طريق مغربية لإنهاء البيروقراطية وبناء أقطاب جهوية منتجة

بواسطة السبت 25 أبريل, 2026 - 16:43

حوار مع الدكتور محسن الجعفري باحث في الإقتصاد السياسيحاورته : رحاب حنان

بين رهانات التمويل وضوابط الحكامة، يفتح المغرب ورشا استراتيجيا لتحديث التنمية الترابية بغلاف مالي يصل إلى 210 مليار درهم. في هذا الحوار، يحلل الدكتور محسن الجعفري، الباحث في الاقتصاد السياسي، أبعاد الانتقال نحو ‘منطق المقاولة’ في تدبير الجهات، وكيفية موازنة شركات المساهمة الجديدة بين النجاعة الاستثمارية والخدمة العمومية، في ظل سياق ماكرو-اقتصادي يطمح لفك الارتباط بالمركزية البيروقراطية.

باعتبار الغلاف المالي المرصود لبرامج التنمية الجديدة ( 210 مليار درهم على 8 سنوات)، كيف ترون قدرة الميزانية العامة والجهات على تأمين هذا التمويل في ظل التحديات الماكرو-اقتصادية الحالية؟

بداية لا بد من وضع هذا البرنامج في سياق التحولات الكبرى التي يعرفها مسار التنمية والإنتقال من منطق البيروقراطية المركزية نحو الأقطاب الجهوية من أجل خلق الثروة إنطلاقا من الجهة وليس المركز وتجاوز منطق السرعتين الذي كانت فيه إشارة ملكية واضحة وتوجيه سامي من أجل إطلاق جيل جديد يواكب متطلبات المواطنين حسب خصوصية كل منطقة من ربوع المملكة، حيث بادر ولاة الجهات وعمال الأقاليم لعقد لقاءات ومشاورات أنتجت لنا مشروع نموذج جديد للجهوية يبعث نفسا جديدا في ظل تراجع دور الفاعلين السياسيين وغياب دينامية الإبداع والإبتكار في البرامج التنموية الموجهة للأقاليم و الجهات. حيث أصبحت مجالس الجهات تقتصر على نقاشات روتينية بلا آثر يذكر في الجانب التنموي. إن هذا البرنامج يهدف إلى تحديث آليات التدبير والرقابة وتعزيز الحكامة الترابية عبر مقاربة إصلاحية لأعطاب مشروع الجهوية. إن رصد مبلغ إجمالي بقيمة 210 مليار درهم أي بمعدل سنوي بقيمة 26 مليار درهم يتجاوز الغلاف الإستثماري المرصود للجماعات الترابية حسب قانون المالية وهو ما يرجح أن جزءا من هذه الإعتمادات سيتم تدبيرها من طرف الهياكل المحدثة في هذا البرنامج لضمان فعالية الإنفاق و تعزيز الحكامة وتحقيق الآثر التنموي بفعالية. هذا بالإضافة إلى الشركات بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز آليات التمويل المبتكرة وكذلك إستقطاب الإستثمار الخاص والخارجي على مستوى الأقاليم والجهات عبر حزمة المشاريع التي تتوافق ومقدرات كل إقليم. إن ما يعزز فرص نجاح هذا البرنامج بالإضافة إلى الهيكلة المقترحة هو السياق الماكرو إقتصادي المستقر والتوزنات المتحكم فيها حيث لا تتجاوز نسبة العجز 3,5% و نسبة الإستدانة الخارجية 65% مع توقع إنتعاش النمو الإقتصادي ليبلغ 5% مع نهاية السنة وهو ما يجعلنا نحافظ على سيرورة إقتصادية مستقرة رغم الأزمات الخارجية والصدمات التي خلفتها أزمة كورونا والصراعات الجيوسياسية.

إلى أي حد يمكن للرفع من سقف الاعتمادات المرصودة لميزانيات الجهات أن يعزز استقلاليتها المالية الفعالة بعيداً عن الوصاية المركزية؟

ليس الإشكال مرتبطا أساسا بالإعتمادات المرصودة ولكن بقدرة المجالس الجهوية على خلق أقطاب تنموية قادرة على تحديد الأولويات وتوجيه الإنفاق نحو المشاريع المنتجة لرفع مساهمتها بشكل فعال ومؤثر في نسبة النمو الإقتصادي الوطني، حيث أنه فقط ثلاث جهات تساهم بنسبة 60% من الناتج الداخلي الوطني في محور طنجة – الجرف الأصفر وهو المحور الذي عرف منذ الإستقلال بتنوع النشاط الإقتصادي وخلق الأقطاب الصناعية. هذا في ما لا تستطيع باقي الجهات تثمين مواردها والرفع من إنتاجيتها وقابليتها على خلق الثروة وفرص الشغل. أما ما يتم تداوله والمصادقة عليه من مشاريع فهي لا تختلف عن منطق التدبير الخدماتي الإستهلاكي وليس الإنتاجي وهذه هي الإشكالية التي سيجيب عنها هذا الجيل من برامج التنمية الترابية مع رصد إعتمادات وضمان حسن توجيهها وفق مبادئ الرقابة والحكامة والشفافية والتتبع على جميع المستويات والأصعدة.

تم إقرار تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة. هل تعتقدون أن هذا الانتقال نحو (منطق المقاولة) سيسرع فعلا وتيرة الإنجاز، أم أنه قد يطرح تحديات تتعلق بـ (الربحية مقابل الخدمة العمومية)؟”

إن الإنتقال نحو شركات مساهمة في تدبير وتسيير مشاريع التنمية على مستوى الجهات والأقاليم هو تحول نحو مفهوم الاحتساب الإقتصادي في تدبير السياسة العمومية وهو ما يعزز ثقافة التدبير وفق ضوابط المقاولة مع وضع آليات كفيلة بتسريع وثيرة الإنجاز تعتمد مرونة إدارية ومالية وسرعة في إتخاذ القرار وفق مساطر وإجراءات خالية من التعقيدات الإجرائية والبيروقراطية التي تعاني منها الإدارة الكلاسيكية. هذا في ظل منطق يوازن بين الهدف الربحي للشركة ودورها في توفير الخدمة العمومية عبر إنجاز المشاريع الموكولة لها، ما سيجعل هذه الشركات تواجه تحديات تختلف وفق نوعية المشاريع والفئات الإجتماعية المستهدفة وتفاوت الموارد والقدرات الإنتاجية في كل جهة وإقليم مما يحثم وضع نموذج إقتصادي خاص بكل شركة حسب خصوصية الجهة على مستوى البنية التحتية والعامل البشري بما يضمن الحفاظ على قدرتها في دعم أهداف التنمية المسطرة طيلة مدة البرنامج المعتمد.

كيف يمكن لشركات المساهمة الجهوية أن توازن بين مرونة القطاع الخاص وبين ضرورة الرقابة العمومية الصارمة؟

بالعودة إلى مضامين بلاغ الديوان الملكي عقب المجلس الوزاري تم تقديم هيكلة تدبير هذا البرنامج مع التركيز على مبادئ الرقابة والحكامة والشفافية وهي مبادئ تتجسد أولا في آليات الرقابة الذاتية لشركات المساهمة عبر هياكل مراقبة التسيير وتتبع الإعتمادات المالية وإنجاز المشاريع هذا بالإضافة إلى تدخل وزارتي المالية والداخلية عبر المفتشيات العامة من أجل ضبط آليات صرف المال العمومي وكذلك خلق منصة تتبع المشاريع والتي يمكن الولوج لها من طرف الموطنين. إن الهدف من تعدد مستويات الرقابة لا يعرقل المرونة المالية والإدارية التي سبق الإشارة لها ما دامت شركات المساهمة ملزمة بإتباع نماذج التدبير الحديثة في ظل الأنظمة المعلوماتية المتطورة التي تسهل الولوج للمعطيات وتحليلها وهو ما يجعل آليات الرقابة والحكامة عاملا مساعدا وليس معرقلا لوثيرة الإنجاز وتتبع المشاريع.
كما يمكن تعزيز هذا الجانب عبر وضع نظام خاص لإنجاز الصفقات وفق معايير صارمة والإستعانة بنماذج ناجحة في مؤسسات إقتصادية شبه عمومية وطنية مع نقل تجاربها وأنظمة إشتغالها ، كذلك تعزيز التوازن في مجالس الإدارة وضمان تعدد التمثيلية ووضع برامج ومخططات في شكل عقود برامج بأهداف ومؤشرات التتبع و ضبط الإلتزمات المالية مع تحديد آليات التقييم والرقابة في كل محطة ومرحلة، دون إغفال الجوانب المتعلقة بالمسؤولية الإجتماعية والبيئية حتى تتوافق المشاريع مع الأهداف والتوجهات العامة للمملكة في هذا الباب وهو ما يتم إغفاله من مجموعة من الشركات الخاصة.

تعتمد المقاربة الجديدة على الاحتياجات المعبر عنها محليا من منظور اقتصادي، كيف يساهم هذا (التشخيص الترابي) في تقليص الهدر المالي وضمان توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر إنتاجية للشغل؟

إن التشخيص الذي تلى اللقاءات المحلية والتي عرفت إنخراط ومشاركة مختلف الفاعلين وتميزت بالإنصات لصوت المجتمع المدني والمواطنين شكلت محطة مهمة في تقييم الأعطاب والتفاوتات من أجل توجيه البرامج المستقبلية نحو أهداف التنمية بفعالية عبر تقليص الهدرالمالي ومعرفة الحاجيات الحقيقية وتجنب الاستثمارت الغير ضرورية الناجمة عن المشاريع الفوقية والتي لا تستجيب لمتطلبات الانتاجية وخلق فرص الشغل. وذلك عبر تثمين الروابط بين النظام البيئي الإقتصادي على المستوى المحلي والتوجهات العامة على المستوى الوطني مما يمكن من خلق دينامية تفتح أسواق للمنتجات عبر وبين الجهات.

ما هو الدور المنتظر من ‘اللجنة الوطنية’ برئاسة رئيس الحكومة لضمان التنسيق بين السياسات القطاعية المركزية والاحتياجات الجهوية المندمجة؟

اللجنة الوطنية ستعمل على ضمان التنسيق والإلتقائية في إطار مبدأ التكامل والتعاون بين الجهات خصوصا وأن هذا المنطق لم يكن حاضرا أو فاعلا في الصيغة الحالية للجهوية و ما سيساهم في ضمان تعبئة الموارد وخلق إطار مؤسساتي لتتبع البرنامج وأهدافه وآلياته في شموليته عبر مقاربة تدمج تدبير القطاعات على المستوى المركزي في برنامج صلب ذا بعد جهوي وإقليمي.

تم التنصيص على تدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية؛ هل هذا النظام الرقابي كفيل بضمان تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الصفقات العمومية الجهوية؟

إن هذا التنصيص على آليات رقابية تضمن فعالية هذا البرنامج خصوصا من أجهزة مراقبة على مستوى وزارتين محددتين لنجاح أي برنامج تنموي، إن حضور المفتشية العامة للمالية وللداخلية سيضمن تجاوز منطق تضارب المصالح والوقوع في شبهات فساد مالي وهو ما طفى للسطح في عدة ملفات تهم منتخبين محليين في العديد من المدن وهو ما إرتبط بتدبير أموال عمومية. كما أن هذا البعد الرقابي سيعزز مبادئ الحكامة والشفافية في تنزيل هذا الورش الذي يمكن تصويره كنموذج تنموي جهوي وإقليمي خصوصا مع النجاح الذي سجله النموذج الخاص بالأقاليم الجنوبية منذ 2016 والذي نوه به خطاب جلالة الملك في ذكرى 47 للمسيرة الخضراء بغلاف مالي تجاوز 77 مليار درهم.

آخر الأخبار

منية بالعافية تستنطق التاريخ والأسطورة في روايتها "عيشوا لأجل آلهتكم"
في إصدار أدبي لافت يمزج بين عبق الأسطورة وشذرات التاريخ، أطلقت الكاتبة والإعلامية المغربية منية بالعافية روايتها الجديدة “عيشوا لأجل آلهتكم” (المركز الثقافي للكتاب 2026)، لتقدم من خلالها نسيجا سرديا يغوص في تعقيدات النفس البشرية وصراعات السلطة. تدور أحداث الرواية في فضاء مكاني يدعى “إيغود”، وهو عالم يبدو للناظر من الخارج واحة من السكينة والاستقرار، […]
حلم العدالة المجالية حين يتحول إلى ورش للنهضة والكرامة
التحولات الكبرى التي تشهدها الأمم، تبرز قرارات لا تقاس بمجرد أثرها الإداري المباشر، وبحجم إعادة رسم خارطة المستقبل.والمغرب اليوم، يمضي بثبات نحو تفعيل جيل جديد من برامج التنمية الترابية، لا يقوم بمجرد إجراء تقني أو مراجعة عابرة لهياكل بيروقراطية؛ بل هو في جوهره انتقال نوعي وشامل في فلسفة الدولة، وعهد جديد يقطع مع زمن المركزية […]
برنامج ثقافي حافل على امتداد سنة .."الرباط عاصمة عالمية للكتاب"
أشرف وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، مساء الجمعة 24 أبريل 2026، على إعطاء الانطلاقة الرسمية لاحتفالية “الرباط عاصمة عالمية للكتاب” لسنة 2026، وذلك بحضور الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، وسفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب وعدد من الوزراء والسفراء والفاعلين الثقافيين. المعرفة حق لكل مواطن الحفل […]