الحكمة الملكية التي رسخت موقع المغرب العالمي

بواسطة الخميس 2 يناير, 2025 - 10:18

في عالم يعيش على إيقاع الاستقطاب من قبل القوى العالمية النافذة، نجح المغرب في أن يصنع لنفسه موقعا متميزا، عبر اتباع سياسة متوازنة خلقت منه شريكا لكل القوى الدولية، دون أن يسقط في خندق التبعية لجهة دون أخرى، وهو أمر ليس بالهين، في ظل الحرب الباردة المشتعلة بين الشرق والغرب.

هذه القناعة التي تقاسمها العديد من المحللين والمتتبعين في الفترة الماضية، لم تكن مجرد صدفة، بل هي نتاج سياسة رسم خطوطها جلالة الملك منذ توليه عرش المملكة، ونجح في فرضها كعنوان لسياسة المملكة، وكان لها دورها في تثبيت مكانة المغرب في العالم، ما عزز من موقعه كأرض تتكامل في فيها مصالح الغرب والشرق، في سياق لا يمكن أن ينجح في مكان آخر غير المغرب.

أن تشيد بك واشنطن، ثم تمتدحك موسكو، ويختار رئيس الصين أن يتوقف فوق ترابك، ويتسارع العديد من المسؤولين الأوروبيين للإشادة بك لا يمكن أن يشكل إلا مصدر فخر للمملكة، وأيضا يفتح الباب واسعا نحو معرفة الخلطة السحرية، التي مكنت المملكة من تبوؤ هذه المكانة المتميزة.

وضمن هذه الخلاصة المغربية المتميزة، كانت تصريحات السفير الروسي في الرباط، والتي تم تداولها خلال الأيام الماضية الأخيرة، حين وصف المغرب بـ«الشريك الاستراتيجي» لروسيا، ممتدحا موقف المغرب من الأزمة الروسية الأوكرانية، حين تمكنت الرباط من وضع نفسها في موقف متزن من طرفي النزاع.

السفير الروسي قال في تصريحات نقلتها وكالة تاس الروسية إن بلاده «تقدر عاليا موقف المغرب المتزن» تجاه الأزمة الأوكرانية، وأنه «جرى الحفاظ على حوار سياسي نشط بين موسكو والرباط خلال الفترة الماضية»، مشيرا إلى أن العلاقة بين البلدين «تتسم بطابع خاص، وتم تعزيزها من خلال الاتفاقيات التي وقعها الرئيس الروسي بوتين وجلالة الملك في 2016».

وزاد السفير الروسي موضحا أن هذه العلاقات أثبتت قدرتها على الصمود أمام اختبار الزمن، بما في ذلك التقلبات الجيوسياسية والأزمات المالية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، مضيفا أن البلدين سيواصلان تعزيز تعاونهما التجاري والاقتصادي بنجاح، كاشفا النقاب عن إيفاد بلاده لمجموعة من البعثات التجارية إلى المملكة في الفترة الماضية.

ووسط هذا المديح الروسي، تعززت علاقة المملكة بالشريك الأمريكي في الفترة الماضية، ما يؤكد أن هذا الارتباط مع الشرق لم يكن على حساب علاقة المغرب بالغرب، حيث نشر موقع «مودرن بوليسي»، مؤخرا، أن المغرب يبرز كواحد من أقدم وأكثر حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية موثوقية في إفريقيا.

وتراهن واشنطن على الرباط لتدعيم حضورها في إفريقيا، حيث أكدت المحادثات الأخيرة بين المسؤولين المغاربة والأمريكيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في شتنبر الماضي على الحاجة إلى تعزيز السلام الإقليمي والعالمي ومعالجة الأسباب الجذرية لانعدام الأمن وعدم الاستقرار في منطقة الساحل وفي القارة الإفريقية بشكل عام.

 ووفق المصدر ذاته، فإن إفريقيا تعد أولوية منخفضة في السياسة الخارجية الأمريكية، لكن الديناميكيات المتغيرة بسرعة في هذه القارة تستوجب تغيير المسار واستعادة المواقف القوية في قارة ناشئة مليئة بالتحديات الأمنية حيث يبرز المغرب كحليف استراتيجي لا غنى عنه، لكي تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على مصالحها في إفريقيا.

ومن المتوقع أن يرفع اهتمام أمريكا أكثر بإفريقيا بتشجيع من إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب دعم الدبلوماسية متعددة الأشكال للمغرب في إفريقيا المشبعة بمبادرات التضامن الإفريقي والمشاريع الإفريقية ذات الصلة والقابلة للتطبيق في مثل هذا السياق الجغرافي الاقتصادي المعقد في القارة، وخاصة في منطقة الساحل.

وبين الاهتمام الروسي والاهتمام الأمريكي، ونجاح المغرب في تجاوز تناقض مصالح البلدين، نجحت المملكة أيضا في أن تضيف التنين الصيني لهذه المعادلة، عبر فتح الباب نحو تحقيقه لمصالح اقتصادية صينية، وهو ما كشفته الزيارة القصيرة للرئيس الصيني للمغرب.

وفي تعليقها، كشفت صحيفة «نيوزيوك» الأمريكية أن الزيارة الوجيزة، التي قام بها الرئيس الصيني إلى المغرب في نونبر الماضي في طريق عودته من جولة في أمريكا اللاتينية، تشير إلى الأهمية التي توليها الصين للعلاقات مع المملكة المغربية، مشيرة إلى أن اختيار شي جينبينغ للمغرب «لم يكن عشوائيا».

وأوضحت الصحيفة الأمريكية في تقرير لها، نشر مؤخرا، أن هذا التوقف يعكس إدراك بكين لموقع المغرب الاستراتيجي كبوابة تجارية تربط بين أوروبا، وأمريكا الشمالية، وإفريقيا، وأن المغرب يمثل فرصة للصين لتوسيع نفوذها التجاري والسياسي في الأسواق العالمية، خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها بكين.

وقالت الصحيفة المذكورة إن هذا التوجه يعد جزءا من استراتيجية الصين للاستفادة من الوضع التجاري الخاص للمغرب، الذي يمتلك اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والدول الإفريقية، ويسمح هذا للمستثمرين الصينيين بتجاوز الرسوم الجمركية التي تفرضها الأسواق الغربية على المنتجات الصينية.

واختتمت الصحيفة تحليلها بالقول أن مستقبل العلاقات بين المغرب والصين مرهون بقدرة البلدين على تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية المشتركة والتحديات الجيوسياسية، مما يجعل الزيارة الوجيزة لشي جين بينغ في الدار البيضاء خطوة رمزية قد تمهد لمزيد من التعاون بين البلدين.

ووسط هذا الاهتمام العالمي بالتعاون مع المغرب تبرز أهمية السياسة التي قادها جلالة الملك منذ سنوات، والتي أثبت الزمن وجاهتها، لمستوى جعل مركز الدراسات الدولية «سيزي» الإيطالي، يؤكد أن «المغرب بقيادة الملك محمد السادس رسخ اليوم مكانته كقوة إفريقية ومرجع بالنسبة لجميع بلدان المنطقة».

وأبرز المركز أن الملك قرر الاستفادة من الموقع الجغرافي للمغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، من خلال مشاريع بنيات تحتية مهيكلة مثيرة للإعجاب، مشيرا إلى أن الهدف من ذلك «هو ضمان النمو الداخلي كعامل للتنمية والاستقرار الاجتماعي، وعلى المستوى الجيوسياسي جعل المملكة مركزا طاقيا وصناعيا وبوابة متميزة للتجارة العالمية نحو إفريقيا، فضلا عن كونها فاعلا رائدا في المجال الأمني».
وأكثر من ذلك، ذهب المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، المعروف باسم «تشاتام هاوس»، في تحليل مخصص حول المغرب، للتأكيد أنه واستنادا إلى المشاريع المشتركة بين المملكة المغربية والصين، قدمت المملكة حججا قوية حول الاستراتيجيات التي تنفذها لحماية مصالحها وتنويع نطاق شركائها الاقتصاديين، مشيرا إلى أن «هذه الاستراتيجيات يمكن أن تكون نموذجا يحتذى به بالنسبة لبلدان أخرى في الجنوب».

آخر الأخبار

مؤسسة وسيط المملكة توثق تجربتها في حماية الحقوق والوساطة بتقديم إصداراتها بمعرض الكتاب
قدمت مؤسسة وسيط المملكة، خلال ندوة أمس السبت بالرباط، باقة من الإصدارات التي توثق تجربة المؤسسة في مجال حماية الحقوق والوساطة المؤسساتية، بهدف تكريس دور الكتاب والمعرفة في ترسيخ قيم الحكامة الجيدة وتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق. وتقترح هذه الأعمال، المعروضة في إطار مشاركة المؤسسة في الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب تحت شعار […]
" PACTE TPME  "..مخطط جديد لتسريع نمو المقاولات الصغرى والمتوسطة
في إطار التعاقد الذي يجمع الدولة بوكالة “مغرب المقاولات”، تم إطلاق مخطط تسريع نمو وتحول المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة ” PACTE TPME”. جاء ذلك خلال حفل ترأسه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، يوم الأربعاء الماضي بالرباط، بحضور كل من وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، شكيب العلج. بالنسبة […]
إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بتطوان
تم، أمس السبت، بتطوان إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بين الجماعات على مستوى مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي”. وتم تسليم الحافلات للمفوض له النقل الحضري وشبه الحضري للنقل الجماعي بواسطة الحافلات بجماعات مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي” شركة “إيصال تطوان” وهي شركة منبثقة من شراكة تجمع بين الشركة المغربية للنقل […]