أصبحت الصحراء المغربية، في الأيام الأخيرة، قبلة لكبار العالم، حيث تسارعت عدد من القوى العالمية لتثبيت وجودها ودعم مغربية الصحراء في سياق تحول كبير، يسير في اتجاه تسريع إنهاء هذا الملف المصطنع، وفق ما سطره الخطاب الملكي الأخير، بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، ووضعه النقاط على الحروف.
وشكلت عودة الرئيس السابق دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عنصرا محفزا للإسراع بإغلاق ملف الصحراء المغربية، حيث بات الجميع مدركا أن فرصة ركوب قطار الاعتراف بمغربية الصحراء، لن تطول أكثر من فترة الشهرين المتبقيين، قبل تسلم ترامب مقاليد الحكم بداية السنة القادمة.
وفي هذا السياق، قاد السفير الفرنسي في الرباط وفدا من المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين الفرنسيين إلى كل من مدينتي العيون والداخلة، وذلك في سياق تنفيذ مخرجات الاتفاق المغربي الفرنسي، والذي أسفرت عنه زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للمغرب.
وقال بلاغ للسفارة الفرنسية إن السفير لوكورتيي يقوم بزيارة إلى مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، بهدف تحديد مسارات عمل ملموسة للمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في هذه المناطق، عبر لقاء السكان والسلطات المحلية، للاستماع لهم والتعرف على التحديات والاحتياجات في هذه المناطق وتحديد مجالات عمل ملموسة يمكن لفرنسا تنفيذها لدعم تنميتها الاقتصادية والاجتماعية لصالح سكانها.
كما نظمت الغرفة الفرنسية للتجارة والصناعة في المغرب الأيام الاقتصادية في جهتي العيون – الساقية الحمراء والداخلة – وادي الذهب، بمشاركة حوالي خمسين من رؤساء الشركات وصانعي القرار الاقتصادي من المغرب وفرنسا، وذلك تنفيذا لما سبق أن أعلنه وزير الخارجية الفرنسي، على هامش زيارة ماكرون، حين أعلن أن بلاده تعتزم تعزيز حضورها القنصلي والثقافي بالصحراء المغربية.
وبالموازاة مع هذا التحرك الفرنسي في الصحراء المغربية تستعد إسبانيا، لاتخاذ خطوات مماثلة، حيث أكد وزير الشؤون الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، الإثنين الماضي، على أهمية تعزيز الروابط الثقافية بين المغرب وإسبانيا، ووصف المغرب بـ«الشريك الاستراتيجي» و«البلد الصديق».
وقال ألباريس إن بلاده تعتزم تعزيز حضور اللغة الإسبانية في المغرب في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الروابط الثقافية بين البلدين، حيث يتوقع أن يتم افتتاح «معهد سيرفانتيس»، التابع لوزارة الخارجية بمدينة العيون أو الداخلة، وفق ما كشفته وسائل إعلام إسبانية.
وقالت صحيفة «ذو أوبجيكتيف» الإسبانية إن عودة ترامب وتنفيذ وعوده بافتتاح قنصلية أمريكية في الصحراء المغربية قد تكون ملائما لتدشين فرع لمعهد سيرفاتيس الإسباني بالصحراء المغربية. وأوضحت أنه خلال العام الماضي لم يكن مخططا لهذا الأمر من طرف حكومة بيدرو سانشيز، لكنها لا تمانع في ذلك في حال «توفر مكان يلبي الأهداف المنشودة»، علما بأنه سبق للمدير العام لمعهد سيرفانتيس أن أعلن في ماي من سنة 2022، أن بلاده تنوي توسيع قاعدة مراكزها في المغرب لتشمل الصحراء عن طريق افتتاح مؤسسة بمدينة العيون.
وتتقاطع هذه المعلومات الإعلامية مع تصريح ألباريس الإثنين الماضي، حين كان يتحدث عن حضور اللغة الإسبانية في العالم، وأعلن عن إطلاق دراستين معمقتين حول وضع اللغة الإسبانية في المغرب والبرازيل، في أفق تعزيز حضورها في المجالات الرئيسية، حيث قال إن الهدف من إطلاق هذه المبادرة هو جعل النهوض باللغة الإسبانية أولوية من أجل توطيد الروابط الثقافية واللغوية لإسبانيا مع الدول الشريكة مثل المغرب.
كما يتوقع أن تشكل عودة ترامب فرصة لاستكمال واشنطن إجراءات إقامة قنصلية أمريكية في الداخلة، وهو الأمر الذي كان الرئيس ترامب قد أعلن عنه في معرض اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء في ولايته الرئاسية الأولى، وهو ما تضمنته الرسالة الملكية التي بعثها لترامب لتهنئته بمناسبة انتخابه مجددا رئيسا للولايات المتحدة.
وكانت إدارة دونالد ترامب قد اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه في دجنبر 2020، في إنجاز دبلوماسي نوعي يحسب للرباط، والتزمت واشنطن بفتح قنصلية في الإقليم، ودعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع، والقابل للتطبيق في إطار السيادة المغربية.
وبالتزامن مع هذه المستجدات فتح المغرب خطا جديدا في سياق هذا المد الدولي لتفعيل قرارات الاعتراف بمغربية الصحراء، عبر استهداف الحليف الروسي، والذي بدأت عدة إشارات تتحدث عن قرب اتخاذه لقرار حاسم في اتجاه دعم مخطط الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق كان الحضور المغربي لافتا في المنتدى الروسي الإفريقي، الذي انعقد نهاية الأسبوع المنصرم بمدينة سوتشي الروسية، وكان خلاله اللقاء الحميمي، الذي جمع ناصر بوريطة بوزيرة خارجية روسيا لافروف، حيث جرى الحديث عن عدد من القضايا الثنائية.
وشكل المنتدى انتكاسة جديدة للنظام العسكري في الجزائر، الذي سعى لإقحام الكيان الوهمي في اللقاء، لكن الحزم الروسي كان واضحا، ووقف بالمرصاد لكل محاولات الجزائر ابتزاز موسكو، في رسالة واضحة لتحتمل التأويل.
وبالموازاة مع هذا التحول الروسي، كشف أنطون كوبياكوف، مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن روسيا تعمل على إنشاء مناطق تجارة حرة مع أربع دول عربية في قارة إفريقيا، من ضمنها المغرب، حيث قال كوبياكوف خلال مؤتمر صحفي على هامش المؤتمر الوزاري الأول لمنتدى الشراكة بين روسيا وإفريقيا: «إننا نولي أهمية كبيرة لتعميق التعاون مع الدول الإفريقية في مجال التجارة والاستثمار، لا سيما من خلال إشراك الفاعلين الاقتصاديين الروس في تنفيذ مشاريع البنية التحتية.. ويمكن أن تصبح اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الإفريقية عنصرا مهما في شراكتنا الاقتصادية».
وأوضح المسؤول الروسي أن المباحثات بشأن إبرام مثل هذه الاتفاقيات مع المغرب بدأت بالفعل، وهو ما يعكسه كذلك المفاوضات الجارية بين الرباط وموسكو، لتوقيع اتفاقية جديدة للصيد البحري تعوض الاتفاقية الحالية، والتي ينتظر أن تشمل كامل السواحل الأطلسية المغربية، بما فيها سواحل الأقاليم الصحراوية.
وينتظر أن يتم توقيع الاتفاقية المتوقع مع مطلع السنة القادمة، قريبا، لتشكل تحولا جذريا في الموقف الروسي، وردا عمليا على موقف محكمة العدل الأوروبية، التي انتقد جلالة الملك موقفها في خطاب المسيرة الخضراء، حين تحدث جلالته عن مواقف «من يريد الانحراف بالجوانب القانونية، لخدمة أهداف سياسية ضيقة».
ووسط هذا التحول للقوى العالمية لن تقف بريطانيا معزولة، بل من المتوقع أن تلتحق لندن بركب واشنطن، مباشرة بعد التحاق ترامب بالبيت الأبيض، علما بأن عددا من الأصوات البريطانية ارتفعت في الأيام الماضية، للمطالبة بالالتحاق بركب الدول المعترفة بمغربية الصحراء، مباشرة بعد الخطوة التي أقدمت عليها باريس.
وكان أندرو موريسون، النائب المحافظ في مجلس العموم (مجلس النواب البريطاني)، أحد الأصوات البريطانية، الذي دعا بشكل صريح لندن إلى اتخاذ موقف مماثل لحليفتيها، باريس وواشنطن في قضية الصحراء، معتبرا أن مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب لحل النزاع الإقليمي حول وحدته الترابية يمثل «الخيار الوحيد الموثوق» من أجل حل نهائي لهذه القضية.
وقال موريسون، الذي شغل عدة مناصب وزارية، بما في ذلك الدفاع، إن فرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا وهولندا وألمانيا والعديد من الدول الأخرى في إفريقيا والشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم تؤيد مخطط الحكم الذاتي المغربي، واصفا إياه بأنه «الأساس الوحيد» لحل هذا النزاع المفتعل الذي استمر لفترة طويلة جدا، معتبرا أن التطورات الأخيرة وتطور المشهد الجيوسياسي العالمي «يجعل الموقف البريطاني الحالي غير مقبول وغير متوافق مع المصلحة الوطنية للمملكة المتحدة».
وتؤكد العديد من المؤشرات أن لندن تقترب أكثر من اتخاذ موقف لصالح المغرب في قضية الصحراء، ومن بين هذه المؤشرات هو تأييد الحكومة الحالية في لندن، بقيادة كير ستارمر، في غشت الماضي، اتفاقية الشراكة التجارية التي تجمع المملكة المتحدة بالمغرب، والتي تشمل إقليم الصحراء.
ووسط هذا التحول الدولي، لا يتوقع أن تظل الصين بعيدة عن الانخراط في المشهد، حيث تجمع بكين والرباط، العديد من القواسم، من ضمنها تشابه قضية الصحراء المغربية مع ملف تايوان بالنسبة للصين، وهو ما يجعل بكين، المعروفة ببراغماتيتها، أقرب الدول التي تراهن على المغرب، في ظل مشهد دولي معقد ينتظر أن يفرض على الصين أن تستغل موقع المغرب الجغرافي، من أجل توطين شركاتها في ظل الحصار الأوروبي والأمريكي، وهي خطوة لا يمكن أن تتم سوى عبر بوابة دعم مغربية الصحراء.
