ثمة انتصارات نفرح بها لأنها تخصنا، وثمة انتصارات أكبر منا، حتى وإن كان أصحابها قد خرجوا من بيتنا.
وما حدث هذا الاثنين ينتمي، بالنسبة إلينا في «الأحداث المغربية»، إلى الصنفين معا.
حين انتخب المختار لغزيوي رئيسا للمجلس الوطني للصحافة، وانتخبت حنان رحاب نائبة له، كان من حق هذه المؤسسة أن تشعر بشيء من الفخر. ليس لأن المجلس أصبح مجلس «الأحداث»، ولن يكون كذلك، ولا لأن الرجل والمرأة اللذين سيتوليان قيادته يحملان معهما إلى المؤسسة الجديدة أي انتماء آخر غير الانتماء إلى المهنة، ولكن لأنهما، ببساطة، ابنان من أبناء هذا البيت.
هنا مرا، وهنا كتبا، وهنا اختلفا واتفقا، وهنا عاشا ذلك التعب اليومي الجميل الذي يعرفه كل من اختار الصحافة قدرا ومهنة وحياة.
لذلك، لا نحتاج اليوم إلى كثير من التواضع الزائف.
نحن فرحون.
وفرحون جدا.
فأن يصل صحافيان من مؤسسة واحدة إلى رئاسة المجلس الوطني للصحافة ونيابتها في اللحظة نفسها، فذلك تتويج مزدوج لا يحدث كل يوم. وهو، قبل أن يكون تتويجا لشخصين، يمنح جزءا من معناه لمسار مؤسسة راهنت، منذ بدايتها، على أن الصحافة ليست مجرد أوراق تخرج إلى الأكشاك صباحا، ولا أخبار تمر سريعا على شاشة هاتف، وإنما مدرسة تصنع الصحافيين، وتفتح أمامهم الطريق لكي يكبروا خارجها أيضا.
المختار لغزيوي لم يصل إلى رئاسة المجلس من باب الصدفة. الرجل التحق بـ«الأحداث المغربية» منذ سنة 2000، وتدرج داخلها إلى أن أصبح مدير نشرها، قبل أن تمنحه أغلبية أعضاء المجلس ثقتها لقيادة المرحلة الجديدة.
وحنان رحاب لم تدخل المجلس من نافذة صغيرة. دخلته من بابه الواسع، محمولة بأصوات الصحافيات والصحافيين، بعدما تصدرت نتائج الاقتراع الوطني بـ703 أصوات، بفارق واضح عن باقي المرشحين، قبل أن يختارها أعضاء المجلس نائبة للرئيس.
وهنا تحديدا تكمن حلاوة هذا التتويج.
المختار يصل من جهة الناشرين، وحنان تصل من جهة الصحافيين. مساران مختلفان يلتقيان في البيت نفسه، ثم يلتقيان مرة أخرى، بعد سنوات طويلة، في قيادة المؤسسة التي يفترض أن تكون بيتا لكل الصحافيين والناشرين المغاربة.
إنها مصادفة جميلة، لكنها ليست بلا معنى.
فالمؤسسات الإعلامية لا تقاس فقط بعدد النسخ التي باعتها، ولا بعدد الزوار الذين استقطبتهم مواقعها، ولا بعدد السنوات التي بقيت فيها على قيد الحياة في مهنة تأكل أبناءها بسرعة. المؤسسات الكبيرة تقاس أيضا بالرجال والنساء الذين صنعتهم، وبالأسماء التي أطلقتها إلى الفضاء المهني، وبالأثر الذي تتركه في الصحافة حتى حين يغادر أبناؤها مكاتبها.
ومن هذه الزاوية بالذات، يحق لـ«الأحداث المغربية» أن تحتفل اليوم.
لا لكي تقول إن رئيس المجلس ونائبته «ديالنا»، فتلك لغة صغيرة لا تليق باللحظة، بل لكي تقول، بكثير من الاعتزاز: لقد مرا من هنا.
وهذا يكفينا.
لكن الفرح، حين يتعلق بمؤسسة مثل المجلس الوطني للصحافة، لا ينبغي أن يحجب ثقل المسؤولية.
فمنذ اللحظة التي أعلن فيها عن انتخاب المختار لغزيوي وحنان رحاب، لم يعودا يمثلان المسارات التي أتيا منها، ولا المؤسسات التي اشتغلا فيها، ولا الذين صوتوا لهما وحدهم. إنهما أمام مسؤولية تمثيل مهنة بكامل تناقضاتها وأوجاعها وانتظاراتها.
المجلس ليس جائزة نهاية مسار، بل بداية امتحان.
والصحافة المغربية لا تحتاج اليوم إلى مؤسسة إضافية تعلق اسمها على باب، بقدر ما تحتاج إلى مجلس قوي، مستقل، منصف، قادر على حماية أخلاقيات المهنة من دون خنق حريتها، وعلى الدفاع عن الصحافيين من دون تحويل أخطائهم إلى امتيازات، وعلى تنظيم المهنة من دون الوقوع في إغراء الوصاية عليها.
لقد انتهت الانتخابات، ولذلك يجب أن تنتهي معها لغة الانتخابات.
هناك اليوم مجلس واحد، ومهنة واحدة، ومشاكل كثيرة تنتظر حلولا حقيقية.
أما نحن في «الأحداث المغربية»، فسنسمح لأنفسنا، ولو لهذه الليلة فقط، أن نفرح قليلا.
أن ننظر إلى المختار وحنان ونستعيد سنوات كثيرة مرت من هذا البيت، اجتماعات التحرير، ضغط الإغلاق، النقاشات، الاختلافات، العناوين التي ولدت بصعوبة، والصفحات التي خرجت في آخر دقيقة، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها القارئ لكنها تصنع، في النهاية، صحافيا.
سنفرح لأن اثنين من أبناء هذه المدرسة وصلا معا إلى هذه المسؤولية.
ثم، ابتداء من الغد، سنعود صحافيين.
سنراقبهما، سنسائلهما، سنختلف معهما إذا اقتضى الأمر، وسننتقد المجلس الذي يقودانه كلما استوجب النقد.
وربما تكون هذه أجمل هدية يمكن أن تقدمها لهما «الأحداث المغربية».
أن تفخر بهما اليوم…
وألا تجاملهما غدا.
