“لقد قلت من هذا المنبر، سنة 2014 : ” إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي” …
جلالة الملك محمد السادس – الجمعة 9 أكتوبر 2026
بقوة الهدوء فيه، وبرصانة العبارة، وبالمدة الزمنية المحددة و المحدودة والدقيقة، يكتب الخطاب الملكي السامي، يوم الجمعة الماضي خارطة الطريق، ويرسم معالم القادم من الوقت، ويقف، بالنقطة والفاصلة، عند المستقبل المرسوم – بعناية ربانية أكيدة يساندها العمل – للمغرب والمغاربة.
يجلس البرلمانيون والبرلمانيات، في افتتاح أول دورة لمجلسيهم بعد تشريعيات 23 شتنبر ينتظرون، عن حق، توجيه واضحا يحدد لهم مسار الأشياء، فيجدون مابحثوا عنه وزيادة.
ويجلس المغاربة كلهم أمام التلفزيون، حاملين الملك في قلبهم وبين ثنايا الضلوع، يرمقون الحركات والسكنات، ويرتاحون عندما يلمحون محمدهم السادس يمشي مجددا في الطريق المغربي المعروف، مرفوقا بمولاي الحسن ومولاي رشيد ومولاي أحمد، وبقية الرعيل الشريف، امتداد المملكة منذ قديم القديم، فيقولون “والنعم، للبيت رب يحميه جل وعلا، ويمنحه هذه السكينة، وكل هذه القدرة على مجابهة كل الصعاب”.
تجتمع الناس أمام البرلمان، في شارع الرباط الكبير حتى يصبح صغيرا من فرط حجم الحب القادم إلى العاصمة منذ صبيحة الجمعة المباركة. وبين الأعلام الحمراء الجديدة، وصوت شدو الناس بحياة وطنهم وملكهم، وصور تخليد اللحظة اللاتنسى، يعبر الموكب الملكي قادما من المشور السعيد، فتجتاح الشعب الواقف هناك كل مشاعر الفخر بالمغرب والمغاربة و “تمغربيت”.
ثم يصعد الملك المنصة، وتصفيق داخلي القبة ومن بقوا خارجها يرافق جلالته، فيقول بالكلام السامي الرفيع “”إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي. وهو نفس الإحساس اليوم، ولا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخا”.
تهتز القاعة تصفيقا، والأهم منها يهتز المغرب كله، من أقصاه إلى أقصاه، حبا لهذا الملك العظيم ذي النظرة الاستباقية، الذي لم يتعب يوما من خدمة رعاياه ووطنه وشعبه، والذي أدخل إلى الأذهان والوجدان حب المغرب و “تمغربيت٠ بالفعل لا بالقول.
يقول الملك للجيران الإسبان ضروري القول: شركاء في مواجهة كل مايستجد من مشاكل تواجهنا، وبلد صنو بلد، ومملكة هي الند الكامل للمملكة الأخرى، وعراقة تنافس العراقة، وإصرار على الذكاء – لا الغباء – لدخول العصر القادم والجديد.
لايشتغل المغرب حارسا لدى أحد، وفي المملكة الشريفة تقاليد تفوق بقية المملكات والممالك، علمت الناس هنا العيش بكرامة وأنفة وكبرياء.
لذلك الاختيار واضح أمام الجيران، كل الجيران: احترام المملكة الشريفة، والعيش أصدقاء لها ومعها إلى الأبد، أو اختيار طرق أخرى…
والمغرب، في الحالتين معا، لا إشكال لديه، ولا مشكل.
مع من يحترمونه، هو البلد الذي اخترع الاحترام وصدره إلى العالم قبل الوقت بوقت طويل.
ومع أي تصرف آخر، هناك التصرفات الأخرى، وهي كثيرة ولا تنتهي.
ثم يأتي أوان توجيه النواب، نواب الأمة كلها، وليس نواب هذا الحزب، ونائبات الحزب الآخر، والكلام هنا مجددا يكتسي الصبغة العامة الشاملة ” يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
وذلك بما يعزز الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.
“.
لماذا الشباب؟ سيسأل السائل، ممثلا دور من لم يستوعب الكلام.
لأنهم المستقبل كله، ولأنهم القادم من الوقت، ولأنهم لحظة الزمن الآتية، مقدمة نفسها هدية لكل الازدهار المغربي اللاحق.
لأنهم العلامة أيضا على أننا ممتدون، ومستمرون، ومواصلون، وعلى أن البصمة المغربية المعتزة بانتمائها الأصيل لن تنتهي أبدا.
ولأنهم ترياقنا ضد المزمنين، ولقاحنا في وجه من يعتقدون أنفسهم غير قابلين للزوال، والسلاح الذي يشهره مستقبلنا المغربي في وجه الماضي المتشبث بالبقاء بأي ثمن.
وفي ختام الختام، لأنهم دليل البقاء والاستمرار والخلود، ماشاء الله لهذه الأرض أن تدوم، والعلامة التي نعرف بها النبوغ المغربي، وقدرة الوطن العظيم على الولادة والإنجاب والإبداع حتى ختام كل الأيام.
ولأن الكلام الرباني هو خير الكلام، فإن ختم الحديث الملكي السامي يوم الجمعة كان به ومعه “فكونوا رعاكم الله، في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها، أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ ؛ مصداقا لقوله تعالى : “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها”. صدق الله العظيم.
من حضروا داخل القبة الخطاب السامي، ومن تابعوا من أمام بوابتها، وفي شارعها الكبير الحدث، خرجوا يومها بالخلاصة ذاتها: هذا البلد العظيم لديه ملك عظيم، وهذه العظمة، ونحن نعرف ونؤمن بأن العظمة لله وحده، تليق بهذا الشعب، وهذا الوطن، وهذا الملك.
فقط، لاغير، لنقلها، ولنعد قولها مثلما جرت بذلك العادة، ومثلما تعودنا منذ القديم: حمى الله المغرب العظيم، وكفى.
