بقلم: زينب العادلي
عندما يصل بنا العمر أرذله، ويغزو الشيب كل أماكن الزغب فينا، وتعجز الأعضاء كلها عن العمل السليم، يبقى اللسان وحده قادرا على مسايرة الأمارة بالسوء، أي النفس، في هواها اللئيم، ويضحي سب الناس، وشتمهم، وابتداع النواقص لهم، واختراع المثالب عنهم قاعدتنا الحياتية، وروتيننا اليومي، إلا لمن رحم ربك طبعا، ومنحه الباري، جل وعلا، القدرة على حفظ لسانه في اللحظات الأخيرة من الحياة، لكي يقابل وجه رب كريم، وهو مرتاح الظاهر والسريرة، متقبلا للجزاء والعقاب دون خوف من أن يكون شتمه ولعنه وسبه قد أصاب عبادا صالحين عند الله، لاذنب لهم سوى أنهم اختلفوا مع صاحب اللسان السليط والطويل في الاجتهادات الدنيوية الزائلة.
وحكاية اللسان الشتام هذه، مع قلة الأدب التي ترافقها، والتي تزيد اللسان طولا وسلاطة، ليست حكاية جديدة، ولا هي حكر على فلان أو علان، بل هي أمر قديم سائر في الناس وسار فيهم، منذ خلق الله الكون، وإلى أن يرث، جل وعلا، الأرض ومن عليها.
لذلك لا استغراب من أن يصاب بقلة الأدب المزمنة هذه كثير من القوم الأراذل، وأن يمس لظاها حتى من هم في حكم القوم الأفاضل، أو على الأقل، من منحتهم صدف الحياة العمياء فرصة الوصول إلى مراتب عليا، وإلى مناصب كبرى، حتى اعتقد الناس أن تلك المراتب وتلك المناصب، واللقاء فيها مع الكبار، سيدفع بقليلي الأدب إلى تصنع التأدب وإن لم يمتلكوه، لكن الحكاية تعود دائما إلى أصلها الأول، فالطبع يغلب التطبع، والغلبة في نهاية المطاف تكون لما كان عليه المرء منذ بدايات البدايات.
ذلك أنك عندما تشرع في عمل عام يهم الناس بالحديث عن استسهال القتل، ووصف المقتول بأنه مجرد “كلب أجرب”، لن يتعجب أحد أن تنهي العمر في أرذله، وأنت تسب من كان أخا لك في الحركة والعمل الإسلاميين، قبل أن يكون مسلما مثلك، أخا لك أصلا في ديانة تكره الشتم والشتامين، ولا استغراب أن تتكبر عليه بكل مرح وحبور وخيلاء أمام الجموع، وأن تأمره بكل استكبار “إلزم بيتك”، وأن تعتبره سبب كل شرور الأرض والسماء.
وعندما يكون سبب شهرتك الأولى بين القوم أنك كنت “ناقل كلام” أو مجرد “شكام” للبصري رحمه الله أو لغيره، فلن يستغرب من عرفوك ومن سمعوا بك، ومن التقوا بسمعتك غير الطيبة إطلاقا، أن تنتهي، في ختام الختام مجرد حكواتي/ بهلواني يرقص على أحواش اليوتوب طامعا في نقرات سياسية إضافية، تشبه النقرات التافهة التي يلهث وراءها تافهو المنصات، وسفهاؤها، ممن تسلطوا على مهنة الصحافة في الوقت بدل الضائع من مستقطع موتها، وليس وقتها الميت، فأضحوا يعتبرون أنفسهم علامات فيها، وهم فعلا علامات دالة على الإفلاس، وإشارات بليغة على أن مهنة الإعلام أصبحت ملزمة بالبحث عن بواب محترف وأنيق لبوابتها لئلا يستمر ولوج الدخلاء والمتطفلين إليها.
في نهاية المطاف “قلة الأدب”، مهنة من لامهنة له، وابتلاء من بقي عالقا في قعر المنزل، باحثا، بكل الوسائل والطرق، عن طريقة يقنع بها الجميع أنه لازال صالحا لشيء، ولأي شيء كيفما كان نوعه.
المصيبة هنا، واللهم لاتجعل مصيبتنا في ديننا، هي أن الجميع، دون أي استثناء، اقتنع بأن قليل الأدب لم يعد يصلح لأي شيء على الإطلاق.
والجميع، دون أي استثناء مجددا، مؤمن بألا سبيل لإكرام قليل الأدب هذا، ولو بالدفن في نهاية المطاف.
محزن؟ أليس كذلك؟
بلى، هو كذلك، ورب من خلق البلاد والعباد.
