في تطور لافت للتوتر الذي أصبحت تعيشه دولة الكابرانات في محيطها الإفريقي، ودخولها في مواجهات مع حلفائها السابقين في النيجر ومالي، استدعت السلطات الجزائرية السفير لدولة النيجر لديها، ردا على استدعاء وزارة خارجية النيجر، السفير الجزائري في نيامي، للاحتجاج على عمليات الترحيل اللاإنسانية التي قامت بها سلطات الجزائر في حق مهاجرين أفارقة.
ويعكس استدعاء السفراء بين البلدين، تأزم العلاقات بين دولة الكابرانات ودولة النيجر، لتنضم لدولة مالي التي سبق أن عبرت عن استيائها من سياسة عسكر الجزائر بسبب تدخلهم في شؤونها الداخلية، مايرفع من درجة الغليان على الحدود بين البلدين ودولة الجزائر، التي أصبحت تناصب العداء لكل محيطها الإفريقي، وتتحول لدولة معزولة ومنبوذة.
وكان بيان لوزارة الخارجية في النيجر، قد أفاد أن استدعاء السفير الجزائري، تم على خلفية عمليات ترحيل مهاجرين في وضعية غير نظامية، تمت في ظروف عدم احترام للقواعد ومس بكرامة وسلامة الرعايا النيجريين.
وتكشف عملية الاحتجاج هذه عن حجم التوتر بين النظام العسكري وجواره الإفريقي، حيث سبق أن دخلت علاقة الجزائر ومالي في حالة من العداء، بعد قيام الكابرانات بدعم المعارضة المالية، واستقبال المعارض الإمام ديكو في الجزائر من قبل تبون، في رسالة أغضبت النظام الحاكم في باماكو، ودفعت به لتعليق اتفاقية الجزائر الموقعة في 2015.
وبخصوص توفتر علاقة الكابرانات بالنيجر، فليست هذه أول مرة يتم فيها استدعاء السفير الجزائري في نيامي للاحتجاج، حيث سبق في غشت الماضي، أن استدعته الخارجية النيجرية على خلفية التدخل في الشؤون الداخلية للنيجر من قبل نظام العسكر، عبر القيام بمحاولة وساطة لم تطلب منها ودون المرور عبر القنوات الديبلوماسية المعهودة، في سلوك ينم عن غطرسة النظام العسكري في الجزائر، الذي يحاول اصطناع دور الراعي للدول المجاورة مقل مالي والنيجر.
وسبق أن وجه رئيس الوزراء الانتقالي المعين من قبل المجلس العسكري في النيجر، كلمات قوية في حق النظام العسكري الجزائري، واتهمه بالرغبة في التلاعب بالسلطة الجديدة في نيامي.
ومثلما احتجت النيجر على محاولة التدخل في شؤونها الداخلية، كانت مالي سباقة لرفض الوصاية من قبل الكابرانات، حيث انتقدت الأعمال العدائية وغير الودية ودعم النظام الجزائري للجماعات الإرهابية والانفصالية، مثلما وصفت القيادة المالية ذلك في بيان لها صدر في وقت سابق.
ويبدو أن النظام العسكري الجزائري، وبسبب فشله في تدبير خلافاته مع جيرانه بالطرق الديبلوماسية، اختار اللجوء، كعهده دائما، للانتقام من الشعوب، حيث كثف في الفترة الأخيرة، عملية مطاردة المهاجرين السريين، والإلقاء بهم في الصحراء، في ظـروف قاسية ولاإنسانية، تفتقد لكل التدابير المعمول بها ددوليا في التعاطي مع قضايا الهجرة السرية.
وليست هذه السياسة جديدة على النظام العسكري، الذي لايرحم حتى شعبه في الداخل، حيث سبق أن كشف تحقيق لوكالة « أسوشيد بريس » الأمريكية، عن تخلي السلطات الجزائرية عن 13 ألف مهاجر في الصحراء الكبرى، من بينهم حوامل وأطفال رضع، جرى الإلقاء بهم في الصحراء دون طعام أو ماء.
وقال عدد من الناجين من هذه المحرقة الصحراوية، أنهم عاشوا الجحيم وسط الصحراء الكبرى تحت درجة حرارة مرتفعة، تفوق في بعض الأيام الـ48 درجة، كاشفين عن معاينتهم لمهاجرين يتساقطون الواحد تلو الواحد، بعد أن أجبرتهم السلطات الجزائرية تحت التهديد بالسلاح، بالسير لأيام في اتجاه الحدود مع مالي.
وفي واقعة طرد أخرى، أبعدت سلطات النظام العسكري، في شتنبر 2022 أكثر من 800 مهاجر نحو الصحراء، والذين قطعوا المسافة الفاصلة من وسط الجزائر، حتى حدود النيجر، مشيا على الأقدام وتحت ملاحقة سيارات الجيش الجزائري، قبل وصولهم لمدينة إغاديز في شمال النيجر، من بينهم 40 أمرأة و74 طفلا، وفق مارصدته السلطات النيجرية ساعتها.
وسبق أن أحصت منظمة أطباء بلاحدود، أرقاما مهولة حول عمليات الطرد الممنهجة التي تقوم بعا السلطات الجزائرية، حيث أحصت عدد المطرودين عبر الصحراء في رقم 23171 في سنة 2020 و27208 في 2021 و14196 في الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2022.
كما سبق أن أعلنت منصة هاتف الإنذار، التي تعنى بنداءات الاستغاثة من المهاجرين المطرودين، أنه خلال شهور أبريل وماي ويونيو من سنة 2022، تم طرد مالا يقل عن 6583 شخصا من الجزائر إلى النيجر، ليرتفع عدد المطرودين خلال الستة الأشهر الأولى فقط من سنة 2022، من الجزائر نحو النيجر، أزيد من 11652 شخصا.
ومع تقديمها لهذه الأرقام، سبق أن اتهمت منظمات غير حكومية دولية، النظام العسكري في الجزائر، بانتهاج سياسة غير إنسانية ومهينة في حق المهاجرين الأفارقة، إلى جانب توثيق عمليات مماثلة نفذتها السلطات الجزائرية في 2022 وهمت المآت من المهاجرين السوريين الذين تم الإلقاء بهم في صحراء النيجر بلا ماء ولا طعام، رغم مناشدات العديد من المنظمات الإنسانية الدولية.
ويبدو أن العملية الجديدة المسجلة في حق المهاجرين النيجريين، ليست سوى حلقة في سياق سياسة تشكل عقيدة في نظام الكابرنات، لكنها هذه المرة جاءت في ظل تدهور علاقة الجزائر بالنيجر، مادفع سلطات هذا البلد الخروج من حالة الصمت، ورفع الأمر لمستوى الاحتجاج الديبلوماسي، عسى أن يغير من سياسة أصبحت بمثابة ديدن نظام الكابرانات.
