” لقد دأبنا منذ تقلدنا إمارة المؤمنين، ملتزمين بالبيعة المقدسة، وما تقتضيه من حماية الملة والدين، على إيلاء الشأن الديني الأهمية الفائقة، والحرص على قيام مؤسساته بوظائفها على أكمل وجه، والعناية بأحوال الساهرين عليها، والسير على النهج القويم لأسلافنا المنعمين، في الحفاظ على الأمن الروحي للمغرب، ووحدة المذهب المالكي” .. بهذه العبارة الجامعة، افتتح جلالة الملك محمد السادس بصفته أميرا للمؤمنين، خطابه المتعلق بإعادة هيكلة الحقل الديني، واضعا مهمة الحفاظ على الأمن الروحي للمغرب على لائحة الأولويات، وذلك ضمن سياق إقليمي ودولي يزداد تعقيدا في ظل التطورات الرقمية، والتحديات الأمنية، والتغيرات الاجتماعية، والروافد الثقافية المتناقضة و المنفلتة من كل رقابة.
وقد حرص جلالته على استحضار التعقيدات المحيطة بتحدي الحفاظ على الأمن الروحي، عندما أكد على اختلاف طبيعة تدبير الشؤون الدنيوية القابلة لمظاهر التعددية في الآراء، مقابل الوحدة المذهبية المواكبة لمستجدات العصر والوفية لتاريخها المنسجم مع تاريخ المغرب المتشبت بعقيدته السنية وتنوع مكوناته ، ليشكل معطى الأمن الروحي أحد مقومات الدولة المغربية الحديثة القائمة على الوسطية والاعتدال، والمتقبلة للاختلاف تحت عباءة “إمارة كل المؤمنين” كما حددها جلالة الملك.
هوية الوسطية والاعتدال
كما أكد جلالته بكون حرصه على تأهيل الحقل الديني وتجديده، يأتي في سياق تحصين المغرب من نوازع التطرف والإرهاب، وحفاظا على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح، كما أبرز في رسالته الموجهة إلى المشاركين في الندوة الدولية بفاس حول تعزيز الحوار بين الحضارات واحترام التنوع الثقافي، حرصه على التجديد العميق للحقل الديني الوطني، من أجل الحفاظ على الأمن الروحي للمغاربة، في إطار القيم الحقيقية للإسلام، طبقا لمبادئ المذهب المالكي، الذي يدعو للاعتدال والتسامح، والابتعاد عن الظلامية والتطرف.
وقد شكلت مؤسسة إمارة المؤمنين قطب الرحى في تحقيق الأمن الروحي لما تمثله من مرجعية دينية وسياسية موحدة للمغاربة، ما أسهم في تحقيق التماسك الاجتماعي وترسيخ القيم المعززة للوحدة الوطنية، وفي هذا السياق يؤكد أستاذ الفكر والعقيدة عبد الله البوعلاوي، في إحدى محاضراته حول “إمارة المؤمنين ودورها في تثبيت الأمن الروحي”، أن المغرب ينعم بنعمة الوحدة والاستقرار والأمن الروحي والنفسي، ما ينعكس على تماسك المجتمع المغربي وقوته التي تستند لثوابث دينية راسخة تسهم في الحفاظ على هويته واستقراره وتعزز الروابط بين أفراده وتعزز الثواب من خلال التعليم الديني والمساجد والزوايا والمؤسسات الدينية الرسمية التي تحظى بتوجيه ورعاية ملكية خاصة.
مظلة شرعية
وأكد البوعلاوي أن تمسك المغرب بثوابته الحضارية وخصوصيته القائمة على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين الراعية لقيم التعايش والإحترام بين الأفراد، مكن من تحقيق الوحدة الدينية والفكرية والحفاظ على تلاحم المغاربة، ما يعكس مكانة إمارة المؤمنين كمظلة شرعية تضمن ثبات المرجعية الدينية في أوقات الأزمات والتحولات الاجتماعية، وذلك بسبب ما تتسم به هذه المؤسسة من مرونة وقدرة على التكيف مع متطلبات العصر، ما يسهم في استيعاب التحديات الفكرية والاجتماعية الجديدة من خلال تفعيل مفاهيم الشورى في القرارات المصيرية، ولعل آخر الأمثلة ما عرفه ورش مدونة الأسرة من نقاشات قوية تحت تحكيم ملكي أكد على استحضار الخصوصية المغربية ومفهوم الاجتهاد المنفتح على محيطه.
عمق إفريقي
الحرص على تأكيد المكانة المحورية لإمارة المؤمنين في الحفاظ على الأمن الروحي،يتجاوز الحيز المغربي لينتقل لعمقه الإفريقي وفق ما جاء على لسان الحاج عبد الكريم جوباتي، رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بغينيا كوناكري، الذي سبق له أن أكد خلال الدورة الثانية التواصلية للمؤسسة حول موضوع “الثوابت الدينية في إفريقيا”، أنه بدون أمن روحي، لا يمكن الحديث عن قيام أمن غذائي، أو فكري، أو عسكري، موضحا أن الأمر رهين بإمارة المؤمنين الموكول لها استتباب الأمن والاستقرار على أوسع نطاق، وهو ما ترجمه جلالة الملك محمد السادس عبر مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تحمل على عاتقها اليوم تسليط الضوء على إمارة المؤمنين ودورها في الدعوة إلى الوحدة والتعاون والتسامح والاعتدال ونبذ العنف والتطرف بالقارة الافريقية، وذلك بالتصدي للانحرافات الضالة والمعتقدات الفاسدة، والتأويلات الخاطئة الداعية إلى العنف والقتل وإراقة الدماء.
وأشار الحاج جوباتي، أن القارة الإفريقية كانت شريكة في جني ثمار القرب المغربي الإفريقي الذي حققته الزوايا الصوفية الحريصة على ترسيخ قيم المحبة والتسامح، ونبذ خطابات التطرف بعد أن شكلت جسرا معرفيا ممتدا في الجغرافيا والزمن، ما يساهم في صناعة مناعة ضد خطابات التطرف المتوافدة على القارة، بفضل جهود إمارة المؤمنين التي تجتهد في لم شمل علماء القارة بشكل دوري داخل المملكة تحت سقف مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة التي بات لها اليوم 48 فرعا بمختلف بلدان القارة السمراء.
