عاد مشروع سوق إعادة إيواء تجار سوق جنان الجامع بمدينة تارودانت إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما تحول خلال الأيام الأخيرة إلى محور جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط موجة من الانتقادات التي عبر عنها عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن المحلي والفاعلين المدنيين، الذين طالبوا بفتح تحقيق للكشف عن ظروف إنجاز هذا المشروع، ومدى احترامه للمعايير التقنية والصحية والعمرانية.
ويقع جزء من السوق الجديد بحي أحفير، فوق فضاء كان في السابق مطرحا للنفايات بمنطقة تعرف محلياً بـ”الكدية”، وهو ما أعاد إلى الواجهة تعليقات ساخرة تداولها عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى التحول الذي عرفه المكان، معتبرين أن اختيار هذا الموقع يطرح أكثر من علامة استفهام بشأن الرؤية المعتمدة في تهيئة هذا المرفق.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذا السوق أنجز كمركب مؤقت لإعادة إيواء تجار سوق جنان الجامع إلى حين انتهاء الأشغال، غير أن عددا من المتتبعين يخشون أن يتحول هذا “المؤقت” إلى وضع دائم، على غرار مشاريع أخرى عرفت الاستمرار لسنوات رغم تقديمها في البداية كحلول انتقالية.

وانتقدت أصوات محلية الشكل الهندسي للمركبات التجارية، معتبرة أن صغر مساحتها يجعلها غير ملائمة لممارسة الأنشطة التجارية في ظروف تحفظ كرامة التجار وتوفر الحد الأدنى من شروط السلامة والراحة، خاصة خلال فصل الصيف الذي تعرف فيه المدينة درجات حرارة مرتفعة، كما وصفها بعض المتابعين هذه المركبات بأنها أقرب إلى “علب إسمنتية” تفتقر إلى شروط التهوية والاشتغال الملائم.
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل امتدت إلى غياب عدد من المرافق الأساسية، من بينها شبكة الصرف الصحي والمرافق الصحية، وعلى رأسها المراحيض، وهو ما اعتبره متابعون مؤشرا يستدعي توضيحات من الجهات المشرفة على المشروع، خصوصا وأن هذه التجهيزات تعد من أبسط المتطلبات الواجب توفيرها داخل أي فضاء تجاري يستقبل التجار والمرتفقين.
كما أثار المشروع نقاشا مرتبطا بالمشهد العمراني للمدينة، حيث اعتبر عدد من المهتمين أن إقامة هذه البنايات بمحاذاة السور التاريخي لتارودانت قد يؤثر على جمالية هذا المعلم الذي يشهد أشغال ترميم وإصلاح، مؤكدين أن الحفاظ على القيمة التاريخية والبصرية للسور يقتضي اعتماد مقاربة تراعي خصوصية الموقع والهوية العمرانية للمدينة.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مهتمة بالشأن الثقافي أن المسؤول السابق بمندوبية وزارة الثقافة والشباب والتواصل – قطاع الثقافة – كان قد نبه، قبل انطلاق الأشغال، إلى الإشكالات المرتبطة باختيار الموقع وانعكاساته المحتملة على المحيط الثقافي والتراثي، وهو التنبيه الذي شاركه فيه أيضا عدد من الفاعلين والمهتمين بالتراث المحلي، غير أن تلك الملاحظات، بحسب المصادر ذاتها، لم تؤخذ بعين الاعتبار.
وأمام تصاعد الجدل، تتعالى الدعوات إلى فتح تحقيق إداري وتقني لتقييم مختلف مراحل إنجاز المشروع، والكشف عن الأسس التي تم اعتمادها في اختيار الموقع والتصميم، ومدى احترام شروط الصحة والسلامة والجودة، بما يضمن حق التجار في فضاء لائق، ويحافظ في الوقت نفسه على جمالية المدينة وتراثها العمراني.
ويبقى الرهان اليوم، وفق متابعين، هو تحويل هذا النقاش إلى فرصة لتقييم المشاريع العمومية بمنطق الحكامة والشفافية، والإنصات لملاحظات المختصين والساكنة قبل تنفيذ المشاريع، حتى لا تتحول الحلول المؤقتة إلى إشكالات دائمة يصعب تصحيحها مستقبلا.
بالمقابل، وفي إطار الرأي والرأي الاخر، وتنويرا للرأي العام، وفي اتصال هاتفي بأحد المسئولين وعضو ضمن اللجنة المكلفة بإيواء التجار، آفاق هذا الاخير أن عدم اعمار مجموعة من المحلات، راجع بالأساس إلى طلب اصحابها، كونهم لا زالوا يعيشون حالة مادية جسيمة، جراء ما تعرضت له سلعهم إبان الحريق، في حين ارتأت شريحة أخرى عدم استغلال المحل نظرا لحرارة الجو، وأضاف المسئول أن اللقاء لا زالت مستمرة من أجل تحريك عجلة التجارة داخل السوق.
