تعيش الأوساط السياسية والإعلامية، سواء في المغرب أو إسبانيا، على وقع صدمة من العيار الثقيل، بعد التفاصيل المروعة التي كشفت عنها الصحافة في البلدين بتاريخ 14 سبتمبر 2026، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد اتهامات سياسية أو تصفية حسابات ضيقة، بل تجاوز ذلك ليلامس خطوطاً حمراء تتعلق بالأمن القومي والتخابر وتبييض الأموال والتحالف مع أخطر شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات.
وبطل هذه الفضيحة المتكاملة الأركان هو المهدي حيجاوي، الذي وجد نفسه اليوم محاصراً في زاوية ضيقة، عاجزاً عن النطق، بعد أن كانت بيانات محاميه تملأ الدنيا ضجيجاً وتحريفا في الأمس القريب.
واليوم، وبعد مرور 48 ساعة بالتمام والكمال على نشر هذه الاتهامات الخطيرة، لا يزال المهدي حيجاوي ومحاموه يلوذون بصمت مطبق. هذا الصمت المريب ليس مجرد تكتيك قانوني، بل هو في العرف الإعلامي والسياسي مؤشر قوي، إن لم يكن اعترافاً ضمنياً، بصحة الاتهامات الموجهة إليه.
فهل يمتلك المهدي حيجاوي الجرأة ليخرج ببلاغ جديد يكذب فيه هذه الوقائع والاتهامات ؟ أم أن ثقل الأدلة هذه المرة جعله يبتلع لسانه؟
السقوط في مستنقع الكارتيلات الإجرامية ومحاولة “رشوة” القضاء الإسباني
إن القراءة المتأنية في طبيعة الاتهامات التي تم الكشف عنها مؤخراً، تسمح باستخلاص فكرة محورية مؤداها أننا أمام حالة انزلاق غير مسبوقة. فالتقارير الإعلامية تتحدث بوضوح عن تورط المهدي حيجاوي في تحالف خطير مع كارتيلات الجريمة المنظمة، وتحديداً شبكة “إل بويو” الفنزويلية سيئة السمعة. هذا المعطى وحده يكفي لتحويل مسار القضية من ملف سياسي مزعوم إلى ملف جنائي دولي يضعه تحت طائلة الملاحقة من طرف الإنتربول.
لكن الكارثة لا تتوقف عند حدود أمريكا اللاتينية. فقد كشفت التقارير الإعلامية عن مناورة بائسة قام بها حيجاوي في 7 أكتوبر 2024، حين حاول عرض “معلومات حصرية” على النيابة العامة بالمحكمة الوطنية الإسبانية، برئاسة “خيسوس ألونسو”. هذه الخطوة لم تكن سوى محاولة يائسة لتقديم “رشوة سياسية وأمنية” مقابل الحصول على حماية قانونية تُجنبه شبح التسليم للسلطات المغربية.
لقد حاول المهدي حيجاوي لعب ورقة “المصدر السري” لابتزاز ومساومة مؤسسات قضائية أجنبية، ظناً منه أن القضاء الإسباني قد يوفر له مظلة تحميه من ماضيه الإجرامي المتشعب، ومن حتمية التسليم للمغرب بتهم جنائية خطيرة.
وعندما ضاقت به السبل في أوروبا، لم يجد المهدي حيجاوي ملاذاً سوى التفكير في الارتماء في حضن أعداء الوحدة الترابية للمملكة. فقد أشارت التقارير بوضوح إلى محاولاته الحثيثة لترتيب هروبه إلى الجزائر، في خطوة تمثل قمة الخيانة والتنكر للوطن، وتؤكد أن الرجل مستعد للتحالف مع الشيطان نفسه في سبيل الهروب من العدالة.
صمت اليوم مقابل ثرثرة الأمس.. التناقض المفضوح
ما يجعل صمت حيجاوي الحالي مثيراً للسخرية والشفقة في آن واحد، هو تاريخه القريب في المسارعة إلى إصدار البلاغات الرسمية وتجنيد المحامين عند كل مطب إعلامي، حيث عودنا المهدي حيجاوي على عدم تفويت أي فرصة للعب دور الضحية، وهو ما وثقته محطتان بارزتان.
فبتاريخ 16 يوليوز 2026، أصدر المحاميان الفرنسيان “ويليام بوردون” و”فنسنت برينغار” بلاغاً صحفياً ادعيا فيه أن حيجاوي (بصفته الزوج السابق) وأفراد أسرته يتعرضون لحملة “زعزعة استقرار”. وحاول البلاغ حينها تسخيف المقالات التي نشرتها الصحافة الفرنسية، مدعياً أنها وقائع لا أساس لها من الصحة، وأن التسجيلات الصوتية المنسوبة إليه “مزورة”. بل وذهب البلاغ إلى نسج نظرية مؤامرة حول تعرض المعنيين لتتبع ومراقبة في باريس من طرف أشخاص زُعم أن لهم صلة بالسلطات المغربية.
وفي الواقعة الثانية، سارع محاميا المهدي حيجاوي منذ أسبوع تقريبا إلى نفي تسريبه لأي معطيات حساسة صادرة عن أجهزة الاستخبارات المغربية إلى مجموعة “جبروت” (Jabaroot). كما نفى دفاع المهدي حيجاوي وجود أي تواصل بينه وبين الصحيفة الإسبانية (ABC) أو الصحفية “كيتي غارات” (Ketty Garat) التي فجرت مقالاً أثار جدلاً واسعاً حينها.
وأمام هذا السجل الحافل من “البيانات التكذيبية”، يُطرح السؤال بحدة: لماذا تبخر حماس المحامين الفرنسيين اليوم؟ ولماذا لم يصدر أي بلاغ ينفي علاقة حيجاوي بشبكة “إل بويو” الفنزويلية أو بـ”خيسوس ألونسو” أو بمحاولات الهروب إلى الجزائر؟ الإجابة بسيطة: لا يمكن للبيانات الصحفية أن تحجب شمس الأدلة الدامغة.
فضيحة “أطلس هاكرز” ومكالمة جيراندو.. الضربة القاضية
لنفترض جدلاً أن المهدي حيجاوي استجمع قواه، وأوعز لمحامييه بإصدار بلاغ ثالث ينفي فيه كل ما أوردته الصحافة المغربية والإسبانية في 14 سبتمبر 2026. كيف سيواجه هذا الرجل الحقائق التي وثقتها مجموعة “أطلس هاكرز” (Atlas Hackers)؟
إن أي محاولة للنفي ستصطدم مباشرة بجدار التسريبات الصوتية التي لا تقبل الشك والتفنيد. فالتسريب الأخطر يتمثل في المكالمة الهاتفية التي جمعت حيجاوي بالمدعو هشام جيراندو، والتي يعترف فيها الأول بصوته – ودون أي مجال للتأويل أو ادعاء الفبركة – أنه على موعد في “القنصلية الجزائرية”. هذا التسجيل الصوتي يمثل الدليل القاطع الذي يربط خيوط اللعبة ببعضها البعض، ويتطابق حرفياً مع الاتهامات التي وجهت إليه بمحاولة ترتيب هروبه باتجاه الجزائر، العدو التاريخي والجيوسياسي للمغرب.
هذا الاعتراف الصوتي ينسف كل محاولات التجميل التي قادها محاموه في فرنسا وإسبانيا. فلا يمكن لمن ينسق مواعيده في قنصليات دولة تناصب المغرب العداء، وتمول تسليح الانفصاليين، أن يدعي بأنه ضحية لحملات “زعزعة استقرار”. فمن يطرق أبواب المخابرات الأجنبية ويتحالف مع كارتيلات المخدرات اللاتينية، لا يحق له ارتداء عباءة المضطهد.
إننا اليوم أمام مشهد ختامي لمسرحية رديئة الإخراج بطلها المهدي حيجاوي. فصمته لـ 48 ساعة بعد كشف تورطه مع المافيا الفنزويلية ورشوة القضاء الإسباني والتآمر مع الجزائر، هو إقرار بالعجز التام أمام سيل الحقائق. وإذا كان قد نجح سابقاً في تضليل الرأي العام الغربي عبر محامين محترفين في قلب الحقائق، فإن اللعبة قد انتهت اليوم.
لم تعد المسألة تتعلق بمقالات صحفية يمكن الرد عليها بـ “بلاغ نفي”، بل أصبحت تتعلق بتسجيلات صوتية، وملفات قضائية، وتقاطعات استخباراتية تفضح حجم الخيانة. لقد حفر حيجاوي قبره السياسي والأخلاقي بيده، وما هرولته نحو قنصلية الجزائر إلا اعتراف أخير بأنه اختار الاصطفاف في خندق أعداء الوطن.. وهو خندق لا مخرج منه
