عندما يتحول بيغاسوس إلى قصة سمجة فرنسية تتكرر كل خمس سنوات

بواسطة الثلاثاء 21 يوليو, 2026 - 13:09

كل بضع سنوات، تعود الصحافة الفرنسية إلى ملف بيغاسوس كما لو أنها تكتشفه للمرة الأولى، فتقدم للقارئ الفرنسي والدولي على أنها كشف مدو وتحقيق استثنائي، بينما هي في جوهرها إعادة تدوير لملف قديم لم يتغير فيه شيء جوهري منذ سنة 2021. يومها فجر مشروع بيغاسوس الذي قادته منظمة فوربيدن ستوريز، بالتعاون مع عشرات الصحف حول العالم، القضية بكامل تفاصيلها، وتناولتها يومها كبريات الصحف الفرنسية والعالمية بإسهاب. وها هي اليوم، بعد خمس سنوات، تعيد لوموند وفرانس إنتر تغليف نفس الاتهامات في وثيقة جديدة، مستندة إلى شهادة سرية لشخص مجهول الهوية يطلق عليه اسم مستعار، دون أن تقدم دليلا واحدا ملموسا يضيف شيئا إلى ما هو معروف أصلا.
أول ما يستوقف القارئ المتمعن هو هذا القدم المقنع بثوب الجدة. فحين تعيد وسيلة إعلامية تسويق واقعة قديمة على أنها حصرية وجديدة، فإنها إما تراهن على ضعف ذاكرة الجمهور، أو تسعى لتغذية دورة إعلامية معينة في توقيت سياسي محدد، وليس لخدمة الحقيقة الصحفية التي يفترض أنها غايتها الأولى.
ثم يأتي منطق الاستهلاك الإعلامي الذي يحكم هذا النوع من التغطية. فكلمات من قبيل الوحش والسلاح الأخطر ومطاردة الأصوات الناقدة هي عبارات مصممة أصلا لتوليد النقرات والمشاهدات لا لتفسير وقائع، وهذا نمط سائد في تعاطي إعلام غربي كثير مع الملف المغربي عموما، حيث يختزل بلد بأكمله في صورة جهاز مخابراتي مفترس، بينما تعامل ملفات مراقبة أوسع بكثير في دول أخرى، بما فيها فرنسا نفسها، بحذر ونقاش هادئ لا يتجاوز حدود التقرير الإخباري العادي.
وتزداد الصورة تعقيدا حين نلاحظ غياب الدليل الجديد الفعلي. فحين تعترف الصحف نفسها بأنها لم تعثر على أي أثر لاستخدام بيغاسوس بعد خريف 2021، وحين يبقى مصدر الاتهام الأساسي شخصا واحدا يتحدث تحت اسم مستعار دون تحقق مستقل من كل ما يرويه، كما اعترفت الغارديان نفسها بشأن ادعاء تزويد الإمارات المغرب بالبرنامج، فإن ما يقدم ليس دليلا بالمعنى المهني للكلمة، بل رواية أحادية المصدر يفترض بها أن تخضع لمعايير تحقق أشد صرامة قبل نشرها بهذا الحجم من الضجة.

وهذا يقودنا إلى إشكال آخر لا يقل خطورة، وهو تراجع مستوى المهنية في هذا النوع من التغطية. فالتحقيق الاستقصائي الجاد يقتضي مقارنة الروايات، ومنح الطرف المتهم فرصة حقيقية للرد قبل النشر لا بعده، والتمييز بوضوح بين ما هو مؤكد وما هو مجرد ادعاء أو إشاعة. غير أن كثيرا مما نشر هذا الأسبوع يخلط بين هذه المستويات عمدا أو عن غير عمد، فيصبح الافتراض حكما، والشهادة الفردية فضيحة دولة كاملة.
وهنا لا بد من التوقف عند الازدواجية الصارخة في التعامل مع الملف نفسه على الضفتين الفرنسية والإسبانية. فمن الجانب الإسباني، وبعد أن فتح القضاء في مدريد تحقيقا إثر الإعلان في ماي 2022 عن استهداف مزعوم لهواتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع ووزير الداخلية، انتهى الأمر بقاضي المحكمة الوطنية الإسبانية، خوسيه لويس كالاما، إلى حفظ القضية أكثر من مرة، آخرها في يناير 2026، بسبب ما وصفه القضاء نفسه بالامتناع المطلق لإسرائيل عن التعاون القضائي وتسليم أي معلومة تتيح تحديد الجهة المسؤولة فعليا، لا المغرب ولا أي طرف آخر.

أما في فرنسا، فقد كشف التحقيق الأخير نفسه، الذي يراد منه إدانة الرباط، عن معطى محرج للنخبة الباريسية: فقد سعت أجهزة فرنسية، وفي مقدمتها المديرية العامة للأمن الداخلي، إلى اقتناء برنامج بيغاسوس نفسه بميزانية تراوحت بين 60 و80 مليون يورو، قبل أن يتراجع الرئيس ماكرون نهاية 2020 خشية الأثر على سمعة بلاده. والأدهى أن تحقيقات برداتور فايلز الصحفية لعام 2023 وثقت تورط جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي في دعم تسويق برنامج تجسس مواز يدعى بريداتور، طورته شركات أوروبية عبر تحالف إنتليكسا، إلى أنظمة استبدادية عدة حول العالم. فكيف لجهاز استخباراتي فاوض بنفسه لشراء بيغاسوس، وآخر ثبت تورطه في تسويق منافسه لأنظمة قمعية، أن يقفا اليوم في موقع المتهم الأخلاقي للمغرب؟ وكيف تفسر مفارقة أن تتهم باريس الرباط بالتجسس على الرئيس ماكرون ووزرائه، بينما استمعت وزيرة الدفاع السابقة فلورانس بارلي نفسها إلى قاضي التحقيق في أبريل 2026 لتقر بأنه ليس لديها أي شك في الجهاز أو الدولة التي قد تكون وراء استهدافها؟ حين يعجز حتى الضحايا المفترضون عن الجزم بهوية الفاعل، يصبح تحميل المغرب المسؤولية سلفا حكما سياسيا لا استنتاجا قضائيا.

يضاف إلى كل هذا مفارقة دبلوماسية لا يمكن تجاوزها: الرئيس نفسه الذي توحي أجهزته بأن الرباط اخترقت هاتفه، اعترف رسميا في أكتوبر 2024 بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه، في تصعيد غير مسبوق للعلاقات الثنائية. فهل يعقل أن تقدم دولة تنازلات دبلوماسية استراتيجية لدولة تتهمها بأخطر عملية تجسس في تاريخها الحديث؟ أم أن الاتهام، ببساطة، لم يكن يوما بذلك الحجم من الجدية التي تحاول بعض الأوساط الإعلامية إلباسه إياها؟
يبقى الإشكال الأعمق، وهو عقدة التبعية الفرنسية التي لا تريد باريس التخلص منها تجاه الرباط. فبعد أكثر من ستة عقود على استقلال المغرب، لا يزال جزء من النخبة الإعلامية والسياسية الفرنسية عاجزا عن استيعاب أن المملكة دولة ذات سيادة كاملة وقرار مستقل، لا محمية سابقة يحق لباريس أن تراقب تحركاتها وتحاسبها كلما شعرت بأن الرباط تتحرك خارج فلكها. وليس عبثا أن هذا النمط من التغطية الاتهامية المتكررة، بكل ما يحمله من نبرة استعلائية، يعود بالضبط في المحطات التي يعزز فيها المغرب حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في إفريقيا وحوض المتوسط، وكأن باريس تذكر نفسها والعالم بأن ذلك البلد لا يزال، في ذهنها، تحت الوصاية. هذا الإصرار على معاملة المغرب كملف أمني يدار من الإليزيه، لا كشريك سيادي كامل الأهلية، هو جوهر الكولونيالية المتأخرة التي لم تشف منها بعض الأوساط الفرنسية بعد.
في النهاية، لا أحد يطالب بإسكات الصحافة أو منعها من متابعة ملفات حساسة كهذه، فالمغرب دولة مؤسسات لا يخشى النقاش الجاد والمسؤول. لكن الفرق بين الصحافة والدعاية يكمن بالضبط في هذه التفاصيل: دليل جديد لا رواية قديمة، تحقق مستقل لا مصدر وحيد ومجهول، ورد فعل الطرف المعني قبل النشر لا بعده. وإلى أن تلتزم هذه الوسائل بهذا الحد الأدنى من الأخلاقيات المهنية، سيبقى المغرب، وهو يمضي بثقة في مسار تنمية بين المعالم، غير معني بأن يكون كبش فداء لأزمات صحافة تبحث عن عناوين لا عن حقيقة.

آخر الأخبار

البام يطوي صفحة التضامن الحكومي ويفتح معركة الحصيلة قبل انتخابات 2026
دشن حزب الأصالة والمعاصرة مبكرا معركة الانتخابات التشريعية لسنة 2026، موجها رسالة سياسية واضحة إلى حلفائه في الأغلبية الحكومية، مفادها أن زمن الاكتفاء بخطاب التضامن قد انتهى، وأن المرحلة المقبلة هي مرحلة عرض الحصيلة والاحتكام إلى تقييم الناخبين. وأعلن الحزب، في بلاغ صادر عقب اجتماع مكتبه السياسي المنعقد الاثنين بالرباط برئاسة القيادة الجماعية للأمانة العامة، […]
لقجع في “الجرار”.. استقطاب من العيار الثقيل قبل معركة انتخابات 2026
دخل المشهد السياسي المغربي، أمس، مرحلة جديدة مع إعلان التحاق الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، رسميا بحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة تعد من أبرز الأحداث السياسية التي تسبق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، بالنظر إلى الوزن المؤسساتي والسياسي للرجل، وإلى ما تحمله هذه الخطوة من دلالات تتجاوز مجرد تغيير […]
ميلوني بشأن وفاة المغربي عبد الرحيم فاكر: ما حدث غير مقبول والحقيقة يجب أن تكشف كاملة
أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، اليوم الثلاثاء، أن وفاة المهاجر المغربي عبد الرحيم فاكر أثناء توقيفه من قبل الشرطة بمدينة بولونيا تمثل واقعة “غير مقبولة”، مشددة على ضرورة كشف جميع ملابسات الحادث والتحقق من أي مسؤوليات محتملة “بأقصى درجات الصرامة”. وقالت ميلوني، في تدوينة نشرتها على منصة “إكس”، إن “الحقيقة يجب أن تُكشف حتى […]