“فوضى”.. حين يصبح الجمهور جزءًا من العرض

بواسطة الأربعاء 20 نوفمبر, 2024 - 14:56

مسرحية “فوضى” لمخرِجتها المبدعة مريم الزعيمي لم تكن مجرد تجربة مسرحية تقليدية، بل كانت رحلة مشحونة بالتوتر والتشابك النفسي، استطاعت خلالها أن تدمج الجمهور في الحالة العامة للعرض، وكأن كل واحد منا كان يعيش فوضاه الخاصة.

الاندماج مع الفوضى

منذ اللحظة الأولى شعرت أنني لست فقط متفرجًا بل جزءًا من العرض ذاته. كنت أنتظر اتصالاً هاتفياً من ابني طه ليطمئنني على حالة جدته التي كانت بالأمس في حالة حرجة جدًا. نُقلت إلى المصحة وأُدخلت قسم الإنعاش، وكنت طيلة العرض في حالة من الترقب والقلق، أتابع الأحداث على الخشبة وأنا محاصر بفوضاي الشخصية، وكأن المسرحية تتحدث عني، عن صراعي الداخلي وارتباكي العاطفي.

العنوان: انعكاس للواقع

اختيار عنوان “فوضى” بدا لي أكثر من مجرد وصف للحالة الدرامية داخل العرض، بل هو حالة عامة تعيشها الشخصيات والجمهور معًا. إنه تجسيد للصراعات اليومية التي نواجهها، سواء في العلاقات، أو في النفس، أو حتى في واقعنا الاجتماعي.

الفوضى المسرحية: نظام داخل الارتباك

جاء العرض بحرفية عالية على مستوى جميع مكوناته: النص، السينوغرافيا، الإضاءة، الإيقاع، والتشخيص. الفضاء المسرحي كان مميزًا بسماعات معلقة بخيوط، وكأنها ترمز إلى الأصوات الداخلية التي تُثقل عقولنا. هذه السماعات لم تكن مجرد ديكور بل وُظفت بذكاء، مما جعلها جزءًا من الحوار البصري والرمزي للمسرحية.

الإيقاع كان مذهلاً؛ كل شيء يتحرك بانسجام تام: الموسيقى، الأجساد، التحولات النفسية، وحتى الفوضى كانت منظمة بطريقة مدهشة. شخصيات العرض، الزوجان أمين وذكرى وأشرف وسارة، تعيش كل منها في فضاء مستقل، لكنها تتشابك في لحظات حاسمة لتكشف عن قضايا إنسانية عميقة: العنف، الخيانة، الطمع، التضحيات، والصراع الطبقي.

الدمج بين الفن والواقع

ما يميز هذا العرض هو قدرته على نقل الفوضى من الخشبة إلى الجمهور، لدرجة أنني شعرت أن فوضاي الخاصة، المتمثلة في انتظاري القلق لاتصال ابني، كانت جزءًا من العرض نفسه. مريم الزعيمي لم تقدم مجرد قصة مكتوبة أو أحداث مرتبة، بل زرعت داخلنا شعورًا أننا جميعًا في دوامة متشابكة، وكل واحد منا يحمل “فوضاه” الخاصة.

التشخيص: أداء استثنائي

أبدع فريق التمثيل في تقمص أدوارهم الصعبة والمركبة. أمين ناسور، الذي اعتدنا عليه كمخرج بارع، أدهشنا بقدرته التمثيلية المذهلة، إذ أضفى على شخصيته كاريزما قوية وصوتًا بدا وكأنه وُلد مع الشخصية نفسها. أما مريم الزعيمي، في أول تجربة إخراجية لها، فقد أثبتت أنها ليست فقط ممثلة موهوبة، بل مخرجة ذكية استطاعت التنسيق بين كل عناصر العرض بشكل متناغم.

الختام: أسئلة بلا إجابات

رغم نجاح العرض، جاءت النهاية كعنصر أثار النقاش. تدخل الزعيمي بصوتها الخارجي لتلخيص العرض وتقديم نصائح للجمهور كان أقل انسجامًا مع طبيعة المسرحية. كنت أفضل أن تُختتم المسرحية بطرح أسئلة بلا إجابات، تترك الجمهور في حالة من التفكير والتأمل بدلًا من توجيههم.

خلاصة التجربة

فوضى ليست مجرد مسرحية، بل تجربة متكاملة نهلت من تجارب أوروبية وأمريكية لاتينية دون أن تسقط في التقليد الأعمى. استطاعت مريم الزعيمي أن تقدم عرضًا ممتعًا ومؤثرًا في آن واحد، حيث دمجت الجمهور مع الفوضى المسرحية بشكل ذكي ومبتكر.

أما أنا، فقد غادرت العرض وأنا أشعر أنني كنت جزءًا من “الفوضى”، بين القلق على حالة جدة الأولاد من امهم وبين التفاعل مع العرض، أدركت أن المسرح ليس فقط مرآة للواقع، بل جزء من تفاصيله. “فوضى” ليست مجرد عنوان، بل حالة وجودية نحياها جميعًا

آخر الأخبار

المغرب يندد بتوظيف  المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للضغط 
أكد السفير الممثل الدائم للمغرب لدى منظمة الأمم المتحدة، عمر هلال، اليوم الإثنين 27 أبريل، أن المغرب يندد بتوظيف المضائق والممرات البحرية الدولية كأداة للضغط، وذلك خلال النقاش المفتوح رفيع المستوى المخصص للأمن البحري، المنعقد بنيويورك. وفي مداخلته أمام أعضاء مجلس الأمن، خلال الجلسة التي ترأسها وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف بن راشد الزياني، الذي […]
كيفاش صلاة جماعة صغيرة من اليهود في باب دكالة في مراكش رجعات نقطة انطلاق "استعمار" المغرب؟
أكتاف النساء.. آخر ملاذ للمفلسين سياسيا وأخلاقيا!
في الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة نقاشات حقيقية حول التنمية والبدائل الاقتصادية استعدادا للانتخابات التشريعية القادمة، وبينما يتطلع المجتمع الى مشاهدة انتاجات إعلامية تواكب قضايا الساعة، طفت على السطح ظاهرة مقززة تعكس “الارتباك” و”الإفلاس الأخلاقي” لبعض الوجوه التي لفظها المغاربة، بعد أن لجأت الى “الركوب على أكتاف النساء”، وتحويل معاناة المرأة وقضاياها إلى “قشة غريق” […]