لا نأتي بجديد إذا اعتبرنا أن الإعلام هو أحد مرتكزات مجتمع المعرفة والمعلوميات، وأن أي دولة تتوخى مسايرة إيقاع الانتقالات الرقمية المتسارعة عليها أن تنتبه للتحدي الإعلامي.
ولذلك لا نبالغ إذا قلنا إن سؤال الإعلام، هو من أسئلة السيادة والأمن.
والدليل هو ما تتعرض له بلادنا من حملات في وسائل إعلام تشتغل بإمكانيات ضخمة، وهي الحملات التي تتقوى كلما كان البلد بإزاء الشروع في مشاريع تجسد سعيه نحو الاستقلالية عن مراكز النفوذ والهيمنة الدوليين، سواء دولاً أو شركات كبرى عابرة للقارات.
لكن للأسف، فإن المشهد الإعلامي الوطني لم يستطع مسايرة هذه التحولات، وسقط في امتحان المنافسة، وعجز عن بناء طريق لهجرة مضادة للجمهور من الإعلام الخارجي إلى الإعلام الوطني، سواء بشقيه العمومي أو الخاص، وسواء أكان مكتوبًا رقميًا أو ورقيًا، أو كان ينتمي للفضاء السمعي البصري.
لا ننكر أننا لا نتوفر على قاعدة تاريخية نستند إليها، أي أننا لا نجر وراءنا أعرافًا وتقاليد مؤسسة ومرجعية، بسبب سنوات طويلة من إلحاق قطاع الإعلام بقطاع الداخلية، في الوقت الذي كانت الدول المتقدمة إعلاميًا حاليًا تبني تجاربها الخاصة في إعلام قريب من المواطن.
ولكن كذلك، لا يجب أن ننكر أن هوامش التعبير الحر قد توسعت منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، ولكن لم تتطور عندنا ممارسة إعلامية بمعايير احترافية متقدمة تستجيب لتوسع فضاءات القول والتعبير والرأي.
لا يمكن أن نعزو ذلك لسبب واحد، إذ ثمة أسباب كثيرة، منها الجانب القانوني، ومنها الجوانب اللوجستيكية، ومنها ما يرتبط بالتمويل أو التكوين، ومنها كذلك عدم وجود تراكم كمي ونوعي، يمكن أن يُترجم في صمود تجارب إعلامية ناجحة لسنوات متتالية، إذ إن نجاح تجارب معينة غالبًا ما يكون ظرفيًا ومؤقتًا، ثم يبدأ العد التنازلي.
وبالعودة إلى الشق القانوني الذي يكبّل انطلاقة صحيحة لتصحيح مسار الإعلام الوطني في أفق الاحترافية والقرب وتحقيق مطلب السيادة الإعلامية والأمن الإعلامي، وليس الإعلام الأمني الذي لم يعد موجودًا ببلادنا منذ فصل الإعلام عن الداخلية أثناء حكومة التناوب التوافقي، وهي مناسبة للترحم على صناع تلك المرحلة، وخصوصا الفقيدين عبد الرحمان اليوسفي والعربي المساري.
إن النصوص القانونية التي تنظم فضاء النشر والتواصل والإعلام كلها أضحت متقادمة، ولا تستجيب لا لواقع الصحافة الوطنية وتطوراتها، ولا للتحديات التي فرضتها المتغيرات الرقمية في عالم اليوم، التي أعادت حتى تعريف مهنة الصحافة وهوية الصحافي إلى ضرورة النقاش والتعريف بما يمكن من التناغم مع التطور الرقمي الذي نعيشه.
إن القانون 13/88 المتعلق بالصحافة والنشر، والقانون 89/13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين، وحتى القانون 98/14 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، كلها قوانين تحتاج إلى مراجعات شاملة، وهي المراجعات التي تتطلب قبل أن المناقشة البرلمانية، أن تسبقها مناظرة جديدة للإعلام، تجمع ممثلي الصحافيين والناشرين والمستثمرين والقطاعات الحكومية ذات الصلة وتعبيرات المجتمع المدني التي تشتغل في حقول الحقوق والحريات ومؤسسات التكوين في مهن الإعلام والاتصال، وكل من له صلة بهذا القطاع.
وأن نتطارح الأسئلة الحارقة، من قبيل:
ما السبيل لبناء إعلام مهني ومواطن وتنافسي؟
ما نوع الإعلام الذي نحتاجه لكي يكون مساهما في الانتقال نحو الدولة الاجتماعية التي يراهن عليها النموذج التنموي الجديد؟
ما الفرص الاستثمارية والصيغ الممكنة لكي يصبح الإعلام قطاعًا مساهمًا في التشغيل وكذلك في خلق الثروة؟
كيف يمكن للدولة وقطاعاتها أن تساهم في تجويد الخدمة الإعلامية العمومية من جهة، وتطوير المقاولات الإعلامية في اتجاه الجودة والتنافسية والمهنية؟
إن من شأن الإجابة عن هذه الأسئلة أن ينتج عنها سؤال المعيارية القانونية.
ونقصد بالمعيارية القانونية، ألا يصبح القانون فقط أداة لتنظيم المهنة، وهذا مطلوب، أو أن يكون مرجعا لإيقاع العقوبات والفصل في الخصومات فقط، بل أن يرتقي إلى أداة بيداغوجية تساعد في تطوير المهنة لتكون قادرة على الاضطلاع بمهامها.
نحتاج عاجلا إلى أمن قانوني كذلك، فلا يعقل أن تستمر محاكمة الصحافيين بنفس المخالفات وفق قوانين مختلفة: القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر.
وبوضوح تام، لا يجب بالمطلق ترحيل أي قضية بسبب ما نشر في موقع صحافي أو جريدة أو إذاعة أو قناة تلفزية أو أي وسيلة إعلامية يعترف لها القانون بانتمائها لجنس الصحافة، لا يجب ترحيل هذه القضية نحو القانون الجنائي، وإن ارتبط الأمر بما يمكن تكييفه تشهيرًا أو قذفًا أو ترويجيًا لخبر كاذب.
ويجب أن تكون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي المرتقب تغييرهما واضحين في هذا الأمر.
على أنه من الأمور التي يجب أن يكون لها جواب قانوني ما يحدث في مواقع التواصل الاجتماعي، وأن ننفتح على تجارب مقارنة، بحيث نحافظ على نفس الحرية التي تحتضنها هذه الفضاءات، مع الفصل بينها وبين الخدمة الإعلامية، بحيث يمكن كمقترح تحديد ما ينتمي لمجال الخدمة الإعلامية في هذه الفضاءات بمعايير مهنية واضحة، وفصلها عما يمكن اعتباره يدخل في إطار الحسابات الافتراضية ذات الطابع الشخصي.
وهذا يقودنا إلى استعجالية تغيير القانون المتعلق بالصحافيين المهنيين، حتى يكون أكثر تحديدا لمعايير منح صفة الصحافي المهني، وكذا معايير نزعها كذلك، خصوصا أن القانون الحالي يتميز بكونه فضفاضا، ويكاد يقصي مجموعة من الفئات من قبيل الصحافيين الأحرار/الفريلانسرز، والتقنيين.
على أنه لا يمكن أن نمر مرور الكرام على قضية مستعجلة وهامة، وهي المتعلقة بالدعم العمومي للمقاولات الصحافية الخاصة.
ذلك أن التجربة التي بدأت قبل عشر سنوات أبانت عن جوانب قصور كذلك، جعلت هذا الدعم لا يختلف عن أي شكل من أشكال الريع، مادام لم يؤدِّ إلى تطوير المقاولات الإعلامية التي تحوز على الدعم إلا ما ندر، ولا أدى إلى تطوير المساحات الاستثمارية لها في قطاع الإعلام.
ولذلك يجب تطوير هذه المنظومة “المصاحبة في الاستثمار” مبنية على دفتر تحملات دقيق يتضمن شرطين أساسيين:
الأول: احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمختلف العاملات والعمال، والمحافظة على مناصب الشغل، واحترام الاتفاقية الجماعية.
الثاني: هو وجود تصور واضح للاستثمار وتطوير المقاولة الإعلامية بما يجعلها تخلق مشاريع أخرى ومناصب شغل جديدة.
من جانب آخر، يجب كذلك إخضاع الإعلام العمومي لرقابة واجبة حول جوانب الحكامة بتفرعاتها المهنية والمالية والإدارية، وأن يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة، لأننا نفتقد لإعلام وطني حقيقي، بحيث إن النموذج الحالي لم يستطع كسب المواطنين إلا ما تعلق ببرامج المسابقات ذات الطابع الترفيهي، ولا استطاع أن يكون سلاحا إعلاميا للدولة في الدفاع عن مصالح المغرب.
ولذلك سيكون من المفيد أن يتم التنصيص قانونيًا على معايير تحمل المسؤولية في هذه المؤسسات، وأن يكون الانتقاء بحسب تقديم مشروع للتطوير والتجويد مدقق من حيث المرجعية والأهداف والآليات والمدة الزمنية.
