منذ متى عرفت عبد اللطيف جبرو؟
منذ الصغر، وهذا الإسم يرن في جدران منزلنا في الحي العتيق في مدينة مكناس.
كانت والدتي، أطال الله عمرها، رفيقة كشفية لأخيه عبد الجبار رحمه الله، ولم تكن تتحدث عن عائلتهما إلا بكل خير، وحين أصابتني لعنة القراءة الجميلة، كان الراحل الكبير من خلال مقالاته، من أوائل من طالعت لهم الإنتاج الصحفي الرصين.
مرت سنوات وسنوات، ووجدتني ذات يوم في قلب هيئة تحرير “الأحداث المغربية”، أجيب الرجل ذاته عن سؤال طرحه عليّ بخصوص مكناس والتلفزيون وملحقه الذي كان مشتعلا في بداية سنوات الألفين، وعن الاتحاد، وعن سكناي في الرباط، وعن “الكوديم”، وعن الملحون وعن عيساوة، وعن عزيزة جلال، وعن سياسة فرنسا، وعن أشياء كثيرة كان يقول إننا نشترك في الاهتمام بها.
كنت أقنع نفسي حينها أنني أحادث فعلا هذا الرجل الذي لم أكن أعرفه إلا من خلال مقالاته. بعدها أصبحنا رفيقي قطار، نسلك نفس “النافيط”، التي تحملنا من العاصمة حتى محطة الدار البيضاء الميناء.
كان سي عبد اللطيف يصر على قطع المسافة بين محطة القطار وبين الجريدة على قدميه، حفاظا على صحته، وكنت أمتطي أول سيارة أجرة “حمراء”، وأهرب نحو “بياضة”، حيث مقر “الأحداث المغربية”.
عندما كان سي عبد اللطيف يصل كان يجدني كالعادة قرب آلة توزيع القهوة، ليطرح سؤاله المعتاد “كتشربها بالسكر؟”، أجيبه ضاحكا أن “نعم”، فيحذرني “إنك تحارب نفسك وصحتك”، قبل أن يشرع في سرد حكاية جديدة من الحكايات التي عاشها والتي بقي قابضا على تفاصيل التفاصيل فيها، بذاكرة متقدة ونادرة ظلت دوما قادرة على إثارة إعجابنا ودهشتنا، جميعنا دون أي استثناء.
أثناء تكريم حضاري رفيع له ومستحق من طرف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد في مقر المكتبة الوطنية منذ سنوات، قلت، وقد حملني منظمو الحفل مسؤولية إلقاء كلمة باسم الجريدة في حق سي عبد اللطيف، إنه لم يأخذ حقه، وأنه لو كان في بلاد أخرى مثل مصر أو لبنان، لكان في التلفزيون وبرامجه يوميا يحكي ماعاشه ومادونه وماكتبه من أحداث جسام للأجيال التي أتت بعده.
استعملت مبالغا عبارة “إبن خلدون الصحافة المغربية”، وقال لي السي عبد اللطيف ضاحكا بعد انتهاء حفل التكريم “كترتي عليا فهادي”. أجبته “ربما، لكن هذا لاينفي أننا هنا في المغرب لانعطي كبارنا حقهم الذي يستحقونه، ولو كنت مصريا أو لبنانيا، لكان تعامل الناس معك غير التعامل تماما”.
بقيت العلاقة مع سي عبد اللطيف علاقة احترام متبادل وتقدير كبير، وحين أقعده المرض، تخيلت أنه سيتوقف عن الكتابة، وأننا سنفتقد عموده “كلام الصباح” في جريدتنا، لكنني كنت واهما فقط، وأنا أنسى، أو أتناسى أن ذاكرة قوية ومتقدة عاشت منذ السن الصغير أحداثا كبيرة، وعاصرت عظاما صنعوا تاريخ المغرب، لايمكنها أن تتقاعد.
هي ستظل تحكي ماتذكرته حتى الختام، وكذلك كان.
بقي عمود السي عبد اللطيف معنا هنا في “الأحداث المغربية”، حتى آخر اللحظات، تذكارا جميل لعصر صحافي آخر شعاره الاحترام، والتقدير، ومعرفة قدر كل واحد منا، وعدم التطاول، واعتبار الصحافة مهنة نبيلة جدا، وراقية جدا، ورفيعة جدا، تستحق أن تحمل لقب ” صاحبة الجلالة” فعلا.
هؤلاء الكبار الذين علمونا، حين يرحلون، يذكروننا فقط أنهم تركونا بين أيدي من لايخاف المهنة ولايرحمنا من متغيرات الوقت الحالي، ومنغصات العيش فيه.
كيف نقاوم المفارقة الكبيرة الموجودة بين زمن الاحترام المتبادل وبين هذا الزمن؟
بتشغيل الذاكرة، مثل السي عبد اللطيف تماما، لكي تكون قادرة على تذكر كل شيء، وعدم نسيان أي شيء، حتى تستطيع متى أرادت ذلك أن تقول للجميع تاريخ كل واحد منا في هاته المهنة، سواء كان إبنا أصليا لها من محتد حلال، أم كان لقيطا رأينا ولادته ونشأته الحرام، وينتظر أن نموت جميعا لكي يمثل دور الشريف على من لايعرفون.
رحم الله أستاذي وأخي الأكبر وصديقي (أتجرأ وأقولها) السي عبد اللطيف جبرو، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(#)يغيب اليوم عنوان هذا الركن “ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق” تكريما لروح صاحب عمود “كلام الصباح”
