لماذا يرفض “الحوثي” التراجع؟

بواسطة الثلاثاء 26 ديسمبر, 2023 - 12:42

يستغرب الكثيرون نبرة التحدي والمواجهة والإصرار التي تتبناها جماعة “الحوثي” اليمنية التي تصر على مواصلة تهديد حركة التجارة العالمية، ويرهنون التوقف عن إطلاق الصواريخ والمسيرات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بانهاء الحصار على غزة. وبلاشك أن سلوك هذه الجماعة يتسق تماماً مع أهدافها من هذا التصعيد الذي يبدو في ظاهره “نصرة لأهالي غزة”، وفي باطنه أسرار عميقة ترتبط جميعها بمصالح جماعة “الحوثي” ومموليها ورعاتها الاقليميين.

فكرة تحدي الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين هي بحد ذاتها أحد سمات السلوك الميلشياوي لما يعرف بـ “محور المقاومة” الذي تقوده إيران، وهي فكرة عاطفية تدغدغ مشاعر الشعوب وبالأخص من مؤيدي إيران وأذرعها الاقليمية، التي ترى في تشكيل التحالف الدولي البحري المعروف بـ”حارس الازدهار” انتصاراً لها بغض النظر عن أي شىء آخر، فهذه الميلشيات الارهابية تتصرف كعصابات ولا تفكر في مصالح دول أو شعوب، ولذا فإنه بمجرد أن أعلنت الولايات المتحدة عن هذا التحالف، فقد بادر الحوثيون إلى السخرية من الإعلان الأمريكي، وأشار المتحدث باسم الجماعة إلى أن أي هجوم أمريكي مباشر على اليمن يعني تلقائياً توسيع نطاق الحرب في غزة وتحويله إلى “كارثة عالمية”.

جماعة الحوثي تدرك، من واقع ارتباطها بإيران، أن إدارة الرئيس بايدن لا ترغب مطلقاً في توسيع نطاق الحرب في غزة، أو التورط في جبهة صراعية شرق أوسطية في عام انتخابات الرئاسة الأمريكية، بكل ما يعنيه ذلك من انهاء حتمي لفرص الرئيس بايدن في الفوز بولاية رئاسية ثانية، ناهيك عن الصعوبة التي تواجه أي تفكير في فتح صراع جديدة بخلاف أوكرانيا وغزة، مع ما يستدعيه ذلك من احتياجات عسكرية وتمويل مادي كبير قد لا يسهل توافره في الظروف الحالية، ولذلك فإن الجماعة تتمادى في التحدي ثقة منها في غياب إرادة الردع الأمريكي الفعلي.

الواقع يقول إن تهديدات الحوثي باتت تمثل معضلة حقيقية للاقتصاد العالمي وليس فقط الاقتصاد الإسرائيلي، حيث أوقفت شركات نقل نفط دولية كبرى مثل BP وشركات شحن كبرى، وأبرزها “ميرسك” عبر الناقلات والسفن التابعة لها في البحر الأحمر بسبب تعرض السفن المتواصل لقصف وتهديدات الحوثيين، مابات يمثل تهديداً لحرية الملاحة وحركة التجارة المارة بهذا الممر الملاحي الحيوي.

بلاشك أن جماعة الحوثي تستهويها الأضواء التي سلطت عليها في الآونة الأخيرة، حيث باتت أخبار أنشطتها غير المشروعة تتصدر نشرات الأخبار العالمية، كما بات قادتها ضمن أبرز الفقرات الإخبارية عالمياً، وهذا بحد ذاته يمثل مكسباً دعائياً للجماعة التي ترغب في بسط هيمنتها على اليمن وانتزاع شرعية دولية لحكم البلاد، أو على الأقل جزءاً منها، وبالتالي فإنها ترى في مثل هذه الأدوار الملتبسة إقليمياً انتزاعاً لاعتراف بأهميتها وقدرتها على زعزعة الأمن والاستقرار، فضلاً عن دغدغة مشاعر الشعوب العربية وكسب تعاطفها تمهيداً لترسيخ فكرة وجودها حكومة شرعية معترف بها في اليمن.

الحوثيون يريدون أيضاً ربط أنفسهم بالقضية الفلسطينية التي يدركون مركزيتها الشديدة في الوعي الجمعي العربي، ولاسيما في ظل محدودية هامش الحركة المتاح أمام الحكومات العربية، التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة واقع صراعي معقد وشديد الخطورة فرضته حركة “حماس” الارهابية الفلسطينية على الجميع إقليمياً ودولياً، ولذا فإن الحوثي، بحكم كونهم ميلشيا عقائدية تمتلك قدرة كبيرة على التصرف برعونة بعيداً عن حسابات الدول والحكومات الرسمية، قد استغل هذا الواقع الاقليمي والدولي المهترىء في محاولة فرض كلمتهم، وترسيخ دورهم كلاعب فاعل ضمن معادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ناهيك عن رغبة الحوثيين في تعزيز موقفهم في مفاوضات السلام التي بدأت منذ فترة مع المملكة العربية السعودية، حيث ترغب المملكة بالتأكيد في تبريد الأجواء إقليمياً وتهيئة الظروف لتحقيق الأمن والاستقرار وتفادي أي توترات قد تؤثر سلباً ولو بدرجة صغيرة في وتيرة تنفيذ مشروعات التنمية السعودية الطموحة ضمن رؤية 2030.

في ضوء ماسبق، يمكن فهم الحملة الشعبية التي نظمتها جماعة “الحوثي” لتجنيد وتدريب اليمنيين من أجل القتال في الأراضي الفلسطينية “إن توافرت الظروف لذلك”، حيث أعلنوا عزمهم إرسال مقاتليهم إلى غزة، في خطوة يدركون تماماً صعوبة تحققها، ولكنها تمثل إشارة إلى احتمالات توسع نطاق الصراع، وتجييشاً للعواطف وتأجيجاً لمشاعر الشعوب العربية، وبالأخص الشعوب الواقعة على الحدود مع الأراضي الفلسطينية كما في حالتي مصر والأردن، ناهيك عن الدلالات الرمزية لمثل هذه الدعاوى الحوثية فيما يتعلق بالمواقف الاقليمية ولاسيما على سعيها توظيف هذه المواقف من جانب تنظيمات الارهاب والتطرف في الدعاية والمتاجرة إعلامياً وتشويه سمعة بقية الدول العربية والإسلامية بترديد مزاعم واتهامات وأكاذيب ضدها في محاولة لإحراجها والتأثير في مواقفها وسياساتها لمصلحة هذه التنظيمات والجماعات، التي لا ترغب مطلقاً في تحقيق السلام بل تقتات على مخططات الفوضى ونشر الاضطرابات إقليمياً ودولياً.

آخر الأخبار

خديجة بومليك تتوج بطلة لتحدي القراءة العربي بالمغرب
توجت التلميذة خديجة بومليك، المنحدرة من ثانوية “الطلوح” الإعدادية بالمديرية الإقليمية للرحامنة، بطلة لمسابقة “تحدي القراءة العربي” على الصعيد الوطني في دورتها العاشرة، خلال حفل احتضنته الرباط، اليوم الثلاثاء. وجرى هذا التتويج بحضور وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، إلى جانب القائم بالأعمال بسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة بالمغرب، ثاني الرميثي، وشخصيات […]
خارج الصمت.. كيف نطالب بحقوقنا دون خوف؟
اكتشافات أثرية مهمة بموقع “ريغا” شمال سيدي سليمان
أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن تحقيق اكتشافات أثرية مهمة بموقع “ريغا”، الواقع على بعد نحو 8 كيلومترات شمال سيدي سليمان، وذلك في إطار برنامج بحث أثري مغربي-فرنسي متواصل منذ قرابة عشرين سنة. وأفاد بلاغ للوزارة أن هذه النتائج جاءت ثمرة حملة تنقيب متعددة التخصصات يشرف عليها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، بدعم من مديرية […]