” تأديب المنتخب الجماعي بين المقتضيات القانونية واجتهاد القضاء الإداري ” هو موضوع الندوة التي احتضنها يوم أمس المركب الإصطيافي التابع لوزارة العدل، حيث عرفت حضورا وازنا من طرف المهتمين والباحثين والأكاديميين، وكانت أيضا مناسبة لتعميق النقاش القانوني الذي يصب في خانة تجويد النصوص القانونية، وتطوير الاجتهاد القضائي بما يسهم في تخليق الحياة العامة وتكريس التدبير الحر الترابي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
سياق انعقاد هذه الندوة، جاء في إطار اتساع اختصاصات الجماعات الترابية، وتزايد الحاجة إلى تطوير آليات الرقابة القانونية والقضائية على أداء المنتخبين، وهذا ما تم تجسيده من خلال المداخلات القيمة التي عرفتها الندوة.
وأكد عبد السلام نعناني، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، من خلال كلمته الإفتتاحية، أن النظام الدستوري المغربي أرسى مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية، باعتباره أحد أهم مرتكزات اللامركزية المتقدمة، إلى جانب إقرار آليات رقابية وقضائية فعالة، لضمان احترام المشروعية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مضيفا أن المشرع المغربي عمل على إرساء منظومة متكاملة للرقابة والتأديب، تهدف إلى حماية المرفق العمومي، وضمان حسن تدبير المال العام، من خلال تحقيق التوازن بين استقلالية المجالس المنتخبة في تدبير شؤونها المحلية، و إخضاعها للمساءلة القانونية والقضائية عند الإخلال بالواجبات أو ارتكاب مخالفات تمس قواعد التدبير السليم، وهنا يبرز دور للقضاء الإداري في تكريس هذا التوازن، عبر اجتهاداته الرامية إلى حماية الشرعية وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة.
وبخصوص الجلسة العلمية الأولى، فقد تم تخصيصها لمناقشة القضايا القانونية المرتبطة برقابة المحاكم المالية على منتخبي الجماعات الترابية، وإشكالية التمييز بين الخطأ في التدبير، وجرائم تبديد واختلاس الأموال العمومية، إضافة إلى مساءلة المسؤولين المحليين عن المخالفات المرتبطة بالتدبير المالي، وتأثير العقوبات التأديبية على الحكامة الترابية وجودة التدبير العمومي، وتطور الرقابة القضائية في المادة التأديبية الخاصة بالمنتخبين الجماعيين، وحدود الضمانات القانونية المخولة لرؤساء الجماعات الترابية.
الجلسة العلمية الثانية، ترأسها مصطفى زاهر ، رئيس المحكمة الابتدائية الإدارية بمراكش، كانت مناسبة لطرح مواضيع وقضايا آنية، من قبيل العزل بسبب تنازع المصالح، والتجريد من رئاسة وعضوية المجالس الجماعية، وآثار قرارات العزل والإقالة على الأهلية الانتخابية وأهلية الترشح للاستحقاقات المقبلة، وكذا الضوابط القانونية المؤطرة لحل المجالس الجماعية وإقالة المنتخبين.
وفي نهاية الندوة، أكد المشاركون أن حماية المال العام وتخليق الحياة العامة وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة، وترسيخ الديمقراطية المحلية، لن يتأتى إلا بتجويد المنظومة القانونية، على اعتبار أن القضاء الإداري أهم ركيزة لتكريس دولة القانون، وشريك أساسي في مواكبة أوراش الإصلاح المؤسساتي بالمملكة.
