مهدي بنسعيد.. عين على مغرب الغد

بواسطة الإثنين 10 أغسطس, 2026 - 23:09

من اليوم وإلى غاية الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، ستخصص مجموعتنا الإعلامية سلسلة من البورتريهات لنساء ورجال من جيل جديد، يساهمون منذ اليوم في رسم ملامح مغرب الغد.

في السياسة، والأعمال، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيات الحديثة، والثقافة، والابتكار، والمجتمع المدني، سنذهب للقاء نساء ورجال يمكن لمساراتهم والتزامهم ورؤيتهم أن تجعل منهم فاعلين مؤثرين في مغرب 2030 وما بعده.

وقد اخترنا أن نفتتح هذه السلسلة بـمهدي بنسعيد. ليس فقط لأنه ينتمي إلى جيل سياسي جديد، بل لأن مساره المتفرد، بين إرث عائلي، وانخراط سياسي مبكر، وتعلّم للسياسة الميدانية، واكتساب لثقافة الدولة، يروي قصة أوسع: قصة بروز جيل مدعو إلى الجمع بين ثوابت المغرب والتحولات الكبرى لعالم الغد.

ليس سهلا اختصار مهدي بنسعيد في صورة وزير شاب وصل مبكرا إلى الحكومة. فخلف الرجل مسار تتقاطع داخله تجارب تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة: بيت يحمل ذاكرة اليسار الراديكالي المغربي، وتكوين أكاديمي منفتح على العالم، وانخراط سياسي مبكر، ثم احتكاك بمدرسة الدولة ومؤسساتها، قبل الوصول إلى مسؤولية تدبير قطاعات الشباب والثقافة والتواصل.

ولد محمد مهدي بنسعيد في 26 أكتوبر 1984 بالرباط. ولم تكن السياسة بالنسبة إليه موضوعا اكتشفه في الجامعة أو داخل الحزب، بل كانت جزءا من المناخ الذي نشأ فيه. والده سمير بنسعيد ينتمي إلى تاريخ اليسار الراديكالي المغربي، وكان من وجوه تنظيم «إلى الأمام» قبل تجربة المنفى في فرنسا، فيما انخرطت والدته سميرة كيناني بدورها في النضال الحقوقي وفي صفوف اليسار المغربي.

كان البيت، بهذا المعنى، مدرسته السياسية الأولى. هناك تعرف مبكرا إلى معنى القناعة والالتزام والنقاش والاختلاف، لكن الابن لم يختر استنساخ التجربة السياسية لوالديه. سيحتفظ بشيء من ثقافتها، قبل أن يشق لنفسه مسارا مختلفا تماما.

من ثقافة الالتزام إلى ثقافة الدولة

درس بنسعيد العلوم السياسية والقانون والعلاقات الدولية والقضايا الإفريقية بين تولوز وباريس، قبل أن يعود إلى المغرب ويدخل السياسة من بابها المباشر. وفي سنة 2008، وكان عمره لا يتجاوز 23 عاما، انخرط في تجربة حزب الأصالة والمعاصرة عند تأسيسه.

وهناك بدأت مدرسة ثانية في حياته السياسية، مختلفة عن الأولى: مدرسة فؤاد عالي الهمة.

إلى جانب رجل دولة يعرف مؤسسات المملكة وواقعها، احتك بنسعيد بالسياسة كما تمارس على الأرض: الإنصات، والعمل الميداني، والبراغماتية، والقدرة على بناء التوازنات وتحمل المسؤولية، مع استيعاب مركزية المؤسسة الملكية ومؤسسات الدولة داخل النموذج المغربي.

قد يبدو الانتقال من بيت تشكل داخل ثقافة اليسار الراديكالي إلى تجربة سياسية من هذا النوع مفارقة كبيرة، لكنه يمثل في الواقع أحد أكثر مفاتيح شخصية بنسعيد إثارة للاهتمام. فمن العائلة حمل معه ثقافة الالتزام، ومن السياسة الميدانية اكتسب ثقافة الدولة.

ولم ينتظر طويلا حتى يدخل المؤسسات. ففي سنة 2011، انتخب نائبا برلمانيا وهو في السابعة والعشرين، ثم راكم مسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية، وصولا إلى رئاسة لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج.

وبعد عشر سنوات، انتقل إلى مستوى آخر من المسؤولية، حين عينه الملك محمد السادس في أكتوبر 2021 وزيرا للشباب والثقافة والتواصل، وهو في السادسة والثلاثين من عمره.

هنا انتهى زمن بناء المسار، وبدأ امتحان آخر أكثر صعوبة: امتحان الإنجاز.

وزير أمام أوراش غير سهلة

وجد بنسعيد أمامه قطاعات متباينة في طبيعتها ومثقلة بملفات معقدة. ففي التواصل، برز ورش إصلاح الصحافة وتنظيمها الذاتي باعتباره واحدا من أكثر الملفات حساسية. مسار طويل رافقته خلافات واعتراضات ونقاشات مهنية وقانونية، وفرض الإنصات إلى الفاعلين والعودة إلى النصوص والتعامل مع ملاحظات المحكمة الدستورية ثم المرور مجددا عبر المؤسسة التشريعية.

ودافع بنسعيد، وسط هذا النقاش، عن تصور يقوم على تحديث المجلس الوطني للصحافة وتعزيز قواعد الحكامة والشفافية والتمثيلية، في وقت تعيش فيه المهنة نفسها تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية وتغير أنماط إنتاج واستهلاك المعلومة.

وفي السينما، حاول الدفع في اتجاه تغيير زاوية النظر إلى القطاع. فالفيلم لم يعد، وفق هذا المنظور، منتوجا ثقافيا يحتاج فقط إلى الدعم، بل جزء من صناعة يمكن أن تنتج الثروة وتخلق فرص العمل وتجذب الاستثمارات. ومن هنا جاء إصلاح الإطار القانوني للصناعة السينمائية والمركز السينمائي المغربي، برهان معلن على الحكامة والشفافية والتنافسية ورفع جاذبية المغرب أمام الإنتاجات.

وبموازاة البحث عن الجديد، ظل التراث في قلب المعادلة. فقد اتجه العمل إلى حماية المواقع التاريخية والتراث المادي وغير المادي والآثار وبرامج الترميم، بمنطق لا يريد للذاكرة أن تبقى مجرد شيء نحافظ عليه، وإنما موردا ثقافيا يمكن تثمينه ونقله إلى الأجيال المقبلة.

استباق ونظرة استشرافية

لكن ربما يكون ملف الألعاب الإلكترونية الأكثر تعبيرا عن الجانب الآخر في شخصية بنسعيد السياسية.

ففي الوقت الذي لا تزال فيه النظرة التقليدية تعتبر ألعاب الفيديو مجرد ترفيه، اختار التعامل معها باعتبارها صناعة عالمية تجمع التكنولوجيا بالإبداع وتنتج وظائف ذات تأهيل مرتفع وتفتح مجالا واسعا أمام أجيال جديدة من الشباب.

من هنا جاء تنظيم «Morocco Gaming Expo»، إلى جانب التوجه نحو بناء منظومة وطنية للألعاب الإلكترونية، في محاولة لحجز موقع للمغرب داخل واحدة من الصناعات الصاعدة في الاقتصاد الإبداعي العالمي.

وهكذا تبدو الصحافة والسينما والتراث والألعاب الإلكترونية ملفات شديدة الاختلاف، لكنها تكشف خيطا واحدا في التجربة: إصلاح قطاعات تقليدية، حماية عناصر الهوية، ومحاولة فتح الأبواب أمام صناعات المستقبل.

ابن جيل يبحث عن مكانه

في الحادية والأربعين، لا يزال مهدي بنسعيد أصغر من أن يقدم مساره باعتباره تجربة مكتملة. وربما تكمن أهمية بورتريه في ذلك تحديدا.

فالمغرب الذي يتجه نحو 2030 وما بعدها سيضع مسألة تجديد النخب في صلب النقاش. ولن يكون المطلوب مجرد وجوه أصغر سنا، لأن التجديد الحقيقي لا يقاس بشهادة الميلاد، بل بالقدرة على فهم التحولات التي تحدث حولنا وصناعة أجوبة جديدة عنها.

وهنا يصبح مسار بنسعيد جزءا من سؤال أكبر من الرجل نفسه: أي جيل سياسي يحتاج إليه المغرب المقبل؟

جيل يعرف مؤسسات بلده وثوابته، لكنه يفهم في الوقت نفسه التكنولوجيا والاقتصاد الإبداعي والتحولات الثقافية الجديدة. جيل لا يرى في التراث نقيضا للحداثة، ولا في الانفتاح على المستقبل قطيعة مع الهوية.

مهدي بنسعيد واحد من الوجوه التي اختارت دخول هذا الامتحان مبكرا. بدأ من بيت تعلم فيه معنى الالتزام، ومر بمدرسة السياسة والميدان، ثم البرلمان، قبل أن يصل إلى الحكومة.

بروفايل المهدي بنسعيد مهم للمستقبل.. مستقبل التحدي القادر على صناعة مغرب الغد.

آخر الأخبار

تاريخ 15 غشت يلغي إجازة العسكريين بسبتة تحسبا لموجة عبور جديدة
يواصل موعد 15 غشت  2026 المنتظر، فرض حالة من القلق لدى الجانب الإسباني، وذلك بعد تداول معطيات رقمية تجعل منه موعد عبور جديد للمنطقة الحدودية، امتدادا للموجة الأولى التي عرفت توافد آلاف المهاجرين غير النظاميين على مدينة سبتة المحتلة.  وفي هذا السياق، تداول الاعلام الاسباني أخبارا حول إلغاء تصاريح الاجازة الممنوحة للعسكرين بسبتة، في خطوة […]
سفينة «إكسبلورا» الجديدة ترسو لأول مرة بطنجة وتعزز حضور الرحلات السياحية بالمدينة
عززت «إكسبلورا جورنيز»، العلامة الفاخرة التابعة لمجموعة «MSC»، حضورها بمدينة طنجة، مع تسجيل أول رسو لسفينتها الجديدة «EXPLORA III» بميناء طنجة المدينة، في محطة تؤكد المكانة المتنامية التي تحظى بها عاصمة البوغاز ضمن مسارات الرحلات البحرية للعلامة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وقالت قائدة السفينة، سيرينا ميلاني، إن طنجة تشكل المحطة الرابعة ضمن الرحلة الحالية […]
1506 من موظفي الشرطة يستفيدون من الحركة الانتقالية السنوية للأمن الوطني
أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني، اليوم الاثنين 10 غشت الجاري، على اللائحة السنوية لموظفي وموظفات الشرطة الذين تمت الاستجابة لطلبات الانتقال التي تقدموا بها في إطار الحركة الانتقالية السنوية بين المصالح والمدن على الصعيد الوطني. وقد استفاد من هذه الحركية الانتقالية ما مجموعه 1506 موظفة وموظف شرطة من مختلف الرتب والدرجات والتخصصات المهنية، الذين يعملون […]