«ياك آجرحنا»!

بواسطة الإثنين 10 مارس, 2025 - 10:02

لي مع «النعيمة» التقاءات عديدة، منذ اكتشفت المسامع مني أنها تستطيع التقاط اللحن والكلم والأداء الموصل لهما معا بكل إتقان. 

لي معها في السن الأولى للحياة، تلك الجملة/ الامتحان التي كانت تقال لنا ونحن في الإسماعيلية: «واش كتبغي عزيزة جلال ولا نعيمة سميح؟».

منطق المكان ونبوغه وعبقريته، كل ذلك كان يفرض الإجابة البديهية الأولى: عزيزة ابنة ثانوية للا آمنة، وابنة مدينتنا الإسماعيلية، والصوت الذي يقال لنا في كل الأنحاء إنه سيكون خليفة أم كلثوم بكل سهولة ويسر في العالم العربي كله.

لكن منطق تمغربيت كان يغلب في دواخلي منطق تمكناسيت. 

كانت «النعيمة» ولازالت تغني المغربي. وتلك نقطة ضعف أساسية ونقطة قوة لا تنتهي. عندما تصيخ السمع للكلام المكتوب بلغتك الأم يكون له الطعم الآخر، طعم البقاء، طعم مخاطبتك وإن حاولت التجاهل، طعم القدرة على النفاذ حتى أعماق آخر مسامك والبقاء هناك رهينة هذا الانتماء…

لي مع «النعيمة» منذ أصبحت مدمنا على «ياك آجرحي»، أبدأ بها اليوم صباحا قبل «كيفك إنت» لفيروز، ثم بقية المقطوعات المساعدة على الحياة، قصة انبهار كبرى بما ظللت أسميه دوما وأبدا النشيد الوطني للعاشق المغربي. 

هاته الكلمات رهيبة في جمالها. هذا اللحن مرعب في إبداعه. وهذا الصوت الأخاذ المؤدي للمشترك بين الكلمة وبين اللحن صوت صعب على الوصف. 

سيدته تستحق أن تكون سيدتنا جميعا. وعندما تمسك بتلابيبك تلك الأغنية أستطيع أن أراهن عليها بكل ما لا أملكه في هاته الدنيا وبكل ما أملكه أيضا – وهو قليل – أنك لن تستطع الفرار.

تصبح أسيرا في هذا المكان الباذخ المكتوب كلمات لا قبل لأحد بكتابتها، ولحنا لا قبل أحد بإبداع مثيل له، وأداء بقي لوحده بحة قادمة من السماء هدية لكل المغاربة تقول لهم لديكم «النعيمة» فما الذي تريدونه بعد ذلك؟ 

ضبطت نفسي على امتداد لحظات العمر المتفرقة أبكي مع هاته الأغنية. وضبطت نفسي أترنم معها مستمتعا حد الثمالة والانتشاء. وضبطت نفسي أبتسم وأنا أنصت لتفاصيل الإبداع الحق والحقيقي فيها مرات ومرات. 

كان الاستماع لـ«ياك آجرحي» بالتحديد كل مرة مرانا من نوع خاص، يلزمك لأجل إتقانه ألا تنصت فقط. يلزمك من أجل الدخول إلى محرابه أن تكون متقبلا لفكرة الاستمتاع.

بعد ذلك وقبل ذلك للنعيمة أغان ومقطوعات أخرى كثيرة، هي الأخرى تهزك وتحملك إلى حيث تستطيع هاته الرائدة لوحدها فعل ذلك، من الهلال الذي تقول إنه غاب، حتى ذلك الخاتم الشهير الذي رآه المغاربة كلهم في يدها وفي صوتها فأعجبهم وأعجبوه، لكنني، ومثل أي متطرف في العشق لا يتقن البقاء على رف التناول المعتدل للأشياء، أقف عند ناصية «ياك آجرحي»، وأكتفي.

أعتبرها واحدة من المقطوعات الخالدة التي أنتجها الإنسان. أتخيل أنها لو أبدعت في مكان آخر غير المكان لقيل إنها كنز للإنسانية عليها جميعا أن تحفظه وأن تردده وأن تنتشي به الوقت كله. 

هي «لابوهيم» يوم تركها لنا أزنافور باقية وتتمدد، وهي «نو مو كيت با» يوم صرخ بها جاك بريل وهو يتلوى ألما، وهي «لوف مي تيندر» يوم أكد إلفيس بريسلي أنه يتقن الغناء أيضا إلى جانب حركة القدمين، وهي «ماي واي» يوم قرر سيناترا أن يترك لنا ما نملأ به فراغ رحيله عن المكان. وهي «نو وومان نو كراي» يوم ترجل بوب مارلي عن صهوة الحياة وقرر أن يدع للإنسانية التي ستأتي بعده دليل مرور من المكان. وهي «الأطلال» وهي «من غير ليه» وهي «أهواك»، وهي سمفونيات الألمان والروس يوم اجتمعوا لكي يسلموا القياد للموسيقى لكي تعرف بهم من كان ذا سمع أو أرخى الأذن الموسيقية وهو شهيد. 

لي مع «النعيمة» حكايات وحكايات. تماما مثل المغربيات وكل المغاربة. نراها، نحبها، نستمع إليها تغني تأخذنا إلى حيث لا ندري. نبكي، نتألم، نترنم، نستمع، نستمتع، وأساسا نفتخر أننا من نفس المكان الذي أنجب وقدم للعالم كله هاته الجوهرة النادرة المسماة «النعيمة».

لها الخلود، رغم الموت، ولإبداعاتها القدرة على البقاء حتى آخر الأيام دليلا إضافيا آخر على عبقرية المكان ولغة ومشاعر وأحاسيس وأداء أهل المكان…

فقط لا غير.

الله يرحمك سيدتي. 

الله يرحم الناس. 

آخر الأخبار

ثورة "السكك"..هذه تفاصيل تقدم أشغال "البراق" بين القنيطرة ومراكش
تسير أشغال إنجاز الخط الجديد للقطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش تقدما ملحوظا وفق الأجندة المحددة. يتعلق الأمر بمشروع سككي ضخم وتاريخي، كان قد أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس قبل سنة من الآن، فيما يواصل المكتب الوطني للسكك الحديدية بفعالية تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، الذي رصد له غلاف استثماري يصل ل96 مليار درهم. […]
البواري من مكناس: نحتاج لأفكار ''الشباب'' في التحول الفلاحي
على هامش أشغال الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، ترأس أحمد البواري وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أمس السبت بمدينة مكناس، لقاء مفتوحا مع طلبة مؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني الفلاحي، بحضور محمد فكرات رئيس مجلس الإدارة الجماعية للقرض الفلاحي. وجمع اللقاء، المنعقد تحت شعار “السياسات والتعليم الفلاحي: الرهانات والآفاق”، أزيد من 250 طالبة […]
هجمات باماكو.. مالي تكسر "جدار الصمت" والعين على الجزائر والبوليساريو
في الوقت الذي كانت فيه سحب الدخان لا تزال تصاعد فوق ثكنة “كاتي” ومحيط مطار باماكو، حمل البلاغ رقم (001-2026) الصادر عن الحكومة الانتقالية في مالي “لغة مشفرة” وجهت فيها أصابع الاتهام الضمنية إلى ما وصفته بـ “رعاة الإرهاب” (Sponsors)، في تلميح اعتبره مراقبون يستهدف بشكل مباشر الجزائر وجبهة البوليساريو. ويرى محللون سياسيون أن اختيار باماكو […]
كتاب "نحن أمة" .. طارق وبياض يتناولان إشكلات السرد الوطني
سلط الباحثين المغربيين حسن طارق، والطيب بياض، الضوء على إشكالات السرد الوطني من خلال عمل مشترك تحت عنوان “نحن أمة: السرد الوطني،سؤال المنهج وعتبات الفهم”. وأعلنت منشورات باب الحكمة أن هذا الكتاب يأتي في سياق فكري وثقافي يتسم بتجدد الأسئلة حول معنى “الأمة” وحدود تمثلاتها، حيث يعيد العمل المشترك مساءلة السرد الوطني باعتباره بناء تاريخي […]