ضجيج... أسماء (قصة قصيرة)

الثلاثاء 17 ماي 2016
أسامة خيي
0 تعليق

AHDATH.INFO خاص - عبد القادر لحميني

ضجيج أسماء يعزلني ، يعيدني  قسرا إلى قريتي الصغيرة ، إلى الثلث الخالي الذي منه أتيت ، وهي على سريري الخشبي ،ضربت يدا فارغة في أخرى  قائلة ، "أنت لا علاقة .." وكأن ما أطمح إليه شأن لايناسب خرقتي البالية ، في قناعتها الراسخة،أنا مجرد ظهر لا يصلح إلا للركوب وبلوغ المآرب ،بين ورش البناء وفراشة الشارع ثَم ألفت أن تراني وانتهت مهمتي ؛أعمالي الكاملة،ما تبقى منها عن رطوبة " البراكة " وقدر الجرذان توزعت في نظرها الجريء بين النطيحة والمتردية وما أكل السبع ،وعندما أتودد إليها ساعة صفاء الذهن لأنتزع من فمها اعترافا باردا ،هل فعلا أنا أكتب ..؟ تستكثر علي هذا الفعل وتربت اللعينة متيقنة على كتفي المتعبة ساخرة كعادتها، بناء يكتب  ! ،في الحقيقة  " جملة مفيدة "..أتجرع من قرارها ما تبقى من كأس المرارة ساحبا بساط أملي في خجل إلى الوراء ،قائلا مع نفسي المترددة دائما ،أسماء هاته البنت الذائعة المتشردة ربما بالفعل معها الحق .. ، ربما فقط أنا أفكر إذن أنا مجنون ...

في الشارع عرفتني  صيفا ذات بضاعة رديئة،حيث أجلس إلى فراشتي بشارع أفغانستان ،أقرأ القسمات والوجوه و التعابير، وادعت ملء فيها أنها بنت عائلة وعفة وشرف ، والأنذال والرعاع الذين ضاقت بها مدينتهم المحترمة ذرعا لا تلتفت إليهم..تجاهلت الأمر ولا تعنيني التفاصيل ،أتفهم جيدا مثل هاته الترهات ؛وبقية الفصول أقضيها عاملا مياوما ،أعود إلى دفء " البراكة " وصحن الألمنيوم وراديو"سِيسْ" والبصل والعدس  وعِشْرة البنائين...الوجوه بقبعاتها الرمادية تزيدني هما على هم ، تناديني هي الأخرى من بعيد ، بصوت مبحوح  ، كي أكتب ،لكن ثمة شعور ،إحساس بطعم المنافي التي تعودت عليها ... تعطيني انطباعا بأنه لا يمكنني أن أكون ذلك الكاتب ولو حاولت...أسماء صديقة الشارع لما كانت في ثانوية ابن خلدون أيام الشغب و الحلم ،شعبة الآداب ،قرأت " لعبة النسيان" و" أوراق" و"الريح الشتوية" و " رفقة السلاح والقمر " ، في المقابل ، أنا لم أقرأ شيئا لهؤلاء الكبار ، كانت قاماتهم كأشجار تحجب عنا الشمس ويحشرنا ضجيج أسمائهم في الغرف المظلمة ،الحضور إلى جانبهم يساويه العدم والمشي خلفهم يجعلنا عالقين والغبار ..

على حائط "البراكة" إلى جوار صورتي المعلقة بالمقلوب إلى مسمار صدئ ، قدماي إلى الأعلى ورأسي  "المغوفل" إلى الأسفل كان لي اعترافين ، أشبه ما يكونا بشهادتي ميلاد ، هما وقودي وفحمي الحجري الذي ألجأ إليه عند الضجر ، أحدهما يقول ، ".. لك إمكانية الكتابة .." والآخر يقول ، "..لك إمكانية السرد .." ، وبين الكتابة والسرد صرت أبحث عن ذاتي لعلي أعثر على بعض منها تائها في الطريق و بين ثنايا السطور الشاردة ، عن ذلك الكاتب الذي يسكنني ، أسماء وهي ممددة على سريري الخشبي تقلب ماضي الأيام و الصور ، سألتني عنهما ،قلت لها مزهوا ،الأول لإدريس الخوري والثاني لعبد الحميد الغرباوي..،  لم تصدقني أسماء واستمرت في ضجيجها وقالت لي في الحقيقة " أنت لا علاقة.." ، بينما أنا منهمك في تقشير البصل ..

عبد القادر لحميني

عبد القادر لحميني

تعليقات الزوّار (0)