طلحة جبريل يكتب: من زيارة القدس إلى حدائق الحيوانات

الخميس 1 شتنبر 2016
أسامة خيي
0 تعليق

AHDATH.INFO – خاص - بقلم طلحة جبريل

 

توجد عدة مستويات للعلاقات بين الدول في الأعراف الديبلوماسية.

في الحالات العادية ربما يقتصر قرار إقامة علاقات ديبلوماسية على بيان يصدر من عاصمتي البلدين.

لم تعد هذه الخطوة تثير إهتمام وسائل الإعلام ’ إذ غالباً ما تكون العلاقات بين مثل هذه الدول ليس فيها ما يلفت الإنتباه. على سبيل المثال إقامة علاقة بين المغرب وإحدى دول أميركا اللاتينية’ التي تعرف بإسم "جمهوريات الموز" ’ وليس دولاً على غرار البرازيل والأرجنتين والشيلي.

عندما تكون هناك إشكالات لها علاقة بالإعتراف’ تأخذ الأمور توجهاً أكثر تعقيداً.

"عدم الإعتراف" ليس له توصيف محدد. أبرز حالاته هي العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.

بعد زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات القدس’ إنتشر تعبير "التطبيع" الذي كان يعني إعتراف مصر بإسرائيل وإقامة علاقات ديبلوسية بين القاهرة وتل أبيب وتبادل السفراء’ لكن "التطبيع" سيصبح بعد ذلك موقفاً سياسياً للموالين للنظام’ في حين أن "عدم التطبيع" ظل هو موقف المعارضين.

بعد تلك الزيارة المثيرة للجدل تاه العالم العربي في عالم متغير، وفي بعض الأحيان لم يعد يعرف طبيعة هذه المتغيرات، ولا هو قادر على تحديد موقعه وموقفه منها. كما فقدت المنطقة المراكز المرجعية التي كان يتطلع إليها وقت الأزمات، يتوقعون منها الرأي والإجتهاد وحتى التحليل في بعض الأحيان.

ثم أن العالم العربي راح يعاني حالة اختراق خارجي’ بلغت حد الغزو في حالة العراق’ وإنتشار القوات العسكرية والجوية  كما يحدث في سورية و ليبيا ’ وتمزق داخلي كما هو حال اليمن.

ثم أن العرب إنقسموا الى "عرب نفط" و "عرب ماء" أي إلى فقراء وأغنياء، و بالتالي إلى دول فائض مالي ودول فائض سكاني، وقاد ذلك الى حالة تنافر بل تصادم في القيم والمبادئ بين المجتمعات العربية .

وكانت نتيجة هذا الوضع أن كل بلد ونتيجة هذه الوضعية إختار الإنكفاء على أوضاعه الداخلية ، ولم تعد هناك "مشاريع وحدوية"’ بل أن "الهوية العربية" نفسها كثقافة وتاريخ وضعت على المحك’ وفي بعض الأحيان أضحت محل إتهام من طرف بعض التيارات والمجموعات الإثنية.

وكان أن شهدت المنطقة حالة من فقدان الثقة بالنفس واللامبالاة والإحباط استبدت بالناس نتيجة إحساسها بأنها ليست فقط معزولة عن المشاركة في صنع القرار، وإنما هي بعيدة أيضاً عن المعلومات والنفوذ ومراكز ومواقع صنع القرار.

 

أعود الى مسألة "التطبيع".

تجري في بعض الأحيان عمليات "تطبيع" بين الدول عبر أشياء تكون بعيدة كل البعد عن التوقعات.

لعلنا نتذكر كيف تحولت حادثة وقعت بالصدفة الى تطبيع العلاقات بين اميركا والصين’ التي كانت تعرف وقتها بإسمها الإيديلوجي " الصين الشعبية" .

وقعت الحادثة في ابريل عام 1971 عندما تاه لاعب كرة مضرب (بينغ بونغ) اميركي عن زملائه خلال بطولة عالمية لكرة المضرب نظمت في اليابان.

اضطر يومها ذلك اللاعب الاميركي  ويدعى "جلين كوان" الى أن يركب الحافلة مع المنتخب الصيني، وخلال الرحلة قدم له أحد اللاعبين الصينيين هدية عبارة عن صور لسلسلة جبال شهيرة في الصين.

عقب تلك الحادثة وجه الزعيم الصيني الأسطوري ماو تسي تونغ الدعوة إلى منتحب الولايات المتحدة في كرة المضرب ليزور الصين ويجري مباريات ودية مع المنتخب الصيني.

عرفت تلك المبادرة باسم "ديبلوماسية البينع بونغ" بعد أن أدت بعد مسيرة مفاوضات طويلة شائكة الى تطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين.

ظلت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذ عام 1949. كانت سياسة واشنطن خلال عقود ترتكز على أن الدول التي "تعترف" بالصين الشعبية’ في مقابل سحب الإعتراف من "الصين الوطنية"’ تصبح "دولة غير صديقة" لواشنطن. بيد أن الأمور ستتغير تماماً بعد واقعة "فريق كرة المضرب" حيث أجبرت التطورات السياسية أميركا على "تطبيع" علاقاتها مع الصين’ التي لم تعد متمسكة بكلمة "الشعبية" .

وردت إلى ذهني هذه الواقعة، بعد أن قرأت تقريراً حول أول خطوات "تطبيع" العلاقات التركية الإسرائيلية.

كانت هذه العلاقات عادت بوساطة نادرة وغير مسبوقة، قام بها الرئيس الاميركي باراك اوباما قبل سنوات، بعد أن تجمدت عقب هجوم اسرائيل على "أسطول الحرية" (السفينة مرمرة) للتضامن مع أهل غزة، في ماي من عام 2010.

أعتقد جازماً أن اول خطوات التطبيع بين تركيا واسرائيل، غير مسبوقة على الإطلاق. حيث إنطلقت تلك الخطوات بعملية نقل إعداد من حمير الوحش والظباء وقرود من حديقة حيوانات في ضواحي تل أبيب إلى حديقة حيوانات في أزمير غربي تركيا في اول تعاون بين الجانبين بعد "التطبيع".

كانت هذه الحديقة قد طلبت تزويدها بمجموعة من الحيوانات حتى تستطيع أن تكون في مصاف الحدائق العالمية.

توقفت كثيراً عند تصريحات متحدث باسم حديقة الحيوانات الاسرائيلية حين قال "عندما يأتي الأمر إلى مثل هذا التعاون فإننا نضع السياسة جانباً، خاصة أننا حافظنا على علاقات مستمرة على الرغم من التوتر السياسي".

لعل من المفارقات أن المتحدث نفسه أشار إلى أن معظم هذه الحيوانات جلبت من مناطق استوائية وشبه استوائية، من القارة الافريقية.

أي أن اسرائيل بدأت عملياً تطبيع علاقاتها مع تركيا بحيوانات جلبتها من القارة السمراء.

هكذا إنتقل "التطبيع" من زيارات "رؤساء الدول" الى "زيارات الفرق الرياضية" الى "الحمير والقرود".

تعليقات الزوّار (0)