ألوان الدم الخمسة : خمس مسارات صادمة لشباب عرب اعتنقوا الفكر الجهادي

السبت 17 يونيو 2017
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO - خاص - سعيد نافع

الوثائقي الصادم من الإم بي سي عن خمس مسارات إرهابية لنساء وشبان شكلت المادة الأساسية لسيناريو مسلسل ‘‘غرابيب سود‘‘

 

 

 

في قصص موثقة لخمسة أشخاص، نساء وشبان عرب، عاشوا التجربة المرة للانتقال من الحياة العادية التي كان يمكن لهم فيها أن يعيشوا كما يعيش خلق الله في العالم العربي، إلى اعتناق أفكار الدم، عادت قناة إم بي سي، إلى الوقائع التي شكلت المادة الأساسية لسيناريو مسلسل ‘‘ غرابيب سود‘‘ الذي بثته طيلة ال20 يوما الأولى من رمضان. وكما جاء في تقدمة الوثائقي الصادم، كان يمكن للحلقة أن تصبح الحلقة الواحدة والعشرين من المسلسل أو أي رقم آخر، لكن الأكيد أنها ترصد السقوط الجماعي لشباب العالم العربي في براثن الجريمة المقنعة بخطاب الدين.

ينتقل الوثائقي بين خمس مدن عربية كانت الحياة فيها إلى وقت قريب مرادفة لحب الحياة والعيش المشترك. هناك، في مدن تتوزع بين مشرق العرب ومغربهم  تمضي الحياة دون أن يدرك أحد ما يحاك ويدبر في الخفاء لاستقطاب شباب، فقدوا البوصلة نحو العقل والسلوك السليم بعد تراكمات رصدها الوثائقي في عمل فريد يبث لأول مرة على التلفزيونات العربية، بمقدار محترم من المهنية والكفاءة.

من الدار البيضاء جاءت قصة فتيحة المجاطي التي تغيرت حياتها منذ أن حضرت في باريس ندوة إخوانية تتحدث عن وجوب نصرة المسلمين في حرب البوسنة. ومن القاهرة حيث ذهب المعز وسيفه والألف مأذنة، ضاع إسلام يكن الشاب الرياضي في الرقة السورية إلى الأبد. ام محمد خلود الزوجة المسيطرة على زوج ضعيف لا حول له ولا قوة، حولت أبنائها إلى قنابل موقوتة وشكلت نواة داعش الأولى في السعودية. من أبها في الشرق السعودي هاجر مسفر القحطاني إلى سوريا، لنصرة النصرة، وانفلت من هناك بعد أن اكتشف زيف خطاب البروباغاندا في مواقع التواصل الاجتماعي. أما ايمان بغا السورية، سليلة أسرة عريقة في تبني الفكر الإخواني، فتوجد اليوم بين بقايا داعش في الرقة، ولا يعرف إن دكت عليها الأرض أم لا.

فتيحة المجاطي : أميرة الدم

في نهاية الثمانينيات حصلت فتيجة المجاطي على الإجازة بعد التخرج من كلية القانون الاجتماعية والقانونية الحسن الثاني في الدار البيضاء، وقد كان موضوع الإجازة ‘‘تعدد الزوجات‘‘ في رغبة منها إلى تحقيق نوع من المساواة يزيل الحيف عن نساء بلدها في هذا الموضوع تحديدا. سافرت فتيحة المجاطي مع زوجها في 91 إلى فرنسا للعمل، وهناك حضرت ندوة على حرب البوسنة، نظمها تنظيم الإخوان المسلمين، واستعمل فيها خطابا تحريضيا على الجهاد، عبر إلقاء قصائد وأناشيد تحرض على الجهاد المسلح، وكالعادة فمن يحضر هذه المؤتمرات يخرج مشحونا بهذا الخطاب. زاد من حدة التأثير علاقة الزوجين الشابين المتشعبة مع الجالية المغاربية المتمركزة في باريس، خصوصا من الجيل الثالث الذي كان يعيش بداية علاقة متوترة مع الدولة الفرنسية، غذاها سؤال الهوية وفقدان البوصلة. قررت فتيحة مع زوجها أن تسافر إلى موطن الجهاد الأصلي، افغانستان، تحت تأثير التسجيلات الصوتية والمرئية التي أصبحت تصلها من جهات معينة في فرنسا. سنة 1994 ستصاب بالسرطان وستعود مع زوجها للمغرب. انطلقت فتيحة في رحلة طويلة قطعت فيها كل الروابط التي جمعتها بحياتها التقليدية في المغرب أو فرنسا مقتنعة بفكرة واحدة : الجهاد.

من المغرب إلى إسبانيا ثم إيران فأفغانسان، سلك الزوجان نفس الطريق الذي كانت تسلكه العناصر الاوروبية الراغبة في الالتحاق بتنظيم القاعدة في تلك الفترة، عبر إيران أو دول آسيا الوسطى. ثم من هناك إلى ‘‘إمارة قندهار‘‘ حيث قابل زوجها بن لادن وبايعه. فتيحة وبمجرد وصولها، أصبحت مسيطرة على التنظيم النسائي في القاعدة. غير أن الوقت لم يسعفها طويلا في مهمتها الجديدة. فبعد تفجيرات 11 شتنبر في نيويورك، وبعد هجوم أمريكا على افغانستان قررت القاعدة إخراج كل العرب من أفغانستان إلى باكستان. خروج لم تستصغه بسرعة فتيحة، حيث أنها أقامت في ظروف جيدة جدا في إمارة قندهار شهرا واحدا في فيلا باذخة مع زوجها وابنيها.

من كاراتشي إلى بنغلادش استمرت رحلة الشقاء للزوجين المجاطي. هناك سيمنحون جوازات سفر قطرية، وسيطلب منهم الاستعداد للسفر الى السعودية لأول مرة تحت ستار أداء مناسك الحج.  وبمجرد وصولهم إلى الرياض، استقبلتهم خلية سرية من القاعدة، وأمنت لهم مقاما في بيت بالعاصمة، مع رجل يدعى خالد الجهني. بعد 3 أشهر من الإقامة الجماعية بين الزوجين والمبحوث عنه، وبينما كانت في الطريق إلى إحدى العيادات، داهمها رجال الأمن السعوديون واعتقلت مع ابنها، ثم رحلت إلى المغرب. زوج فتيحة، عبد الكريم، توارى عن الأنظار في مكان ما في السعودية، حتى أبريل 2005 حيث قتل في منطقة الرص في مواجهات مع القوات الأمنية. عند تلقيها خبر وفاة زوجها بعد إطلاق سراحها من المعتقل في المغرب، غردت في تويتر ‘‘ أنها سعيدة بدفن زوجها وابنها وعائدة للقتال في داعش‘‘، ثم مضت تواصل طريق الدم إلى سوريا في الرقة متباهية بالموت والتقتيل والترويع.

 

 

ايمان البغا : مفتية داعش

لا تختلف ابنة دمشق ايمان البغا عن حكاية ابنة الدار البيضاء كثيرا. تنحدر من أسرة متدينة ووالدها كانت تلميذا لتلميذ مصطفى السباعي مؤسس الاخوان المسلمين في سوريا، وعلى يديه تشبعت منذ صغرها بخطاب ديني كان أقرب للتطرف. حصلت على الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة دمشق، وأوجدت فيها شرائط وفيديوهات خطابات شيوخ التطرف العرعور والمحيسن والظاهواري رغبة دفينة لممارسة الحقد على المجتمعات والأنظمة على الأرض. في الشام إذن تكونت السشخصية العدوانية لإيمان البغا، وما إن حصلت على دبلومها حتى طارت إلى الدمام بالسعودية في بداية طريقها الدموي الطويل. في الدمام، ستتعرف على أولى معالم آلة جهنمية، تتكفل بصناعة السخط في قلوب الأتباع على المجتع والدولة ثم التدريب العملي على العمل المسلح فيما بعد.

حقدت على المجتمع وتسائلت لماذا كل هذا التخاذل ضد الأنظمة، ثم استغلت التجمعات النسائية لايصال الفكر المتطرف. الغريب أنها لم تتأثر إيجابيا بالمنطقة الشرقية التنوع الطائفي والعرقي والاجتماع، ووسعت معين التطرف، حيث كان كل خطاب لشيخ من شيوخ التحريض يشكل لها ايغالا في الحقد. من الدمام، ستسافر إلى بلادها مجددا، حيث التحقت بداعش في الموصل شمال العراق ثم انتقلت الى الرقة.  زوجت ابنتها خولة الملقبة ب ‘‘شاعرة الدولة‘‘ إلى نمساوي من أصل مغربي، وعمرها لا يتعدى 14 سنة، وكانت فتيحة المجاطي هي من توسطت في هذه  الزيجة. فبعد مقتل زوجها تحولت فتيحة إلى متخصصة في استقطاب الفتيات والقاصرات إلى سوريا والعراق، بعد أن تولت مهمة إدارة مؤسسة نكاح الجهاد في داعش.

ايمان البغا صارت أول امرأة تتولى مهمة الإفتاء في داعش، وظهرت في أكثر من بيان أصدره تنظيم الدولة، حيث كان التركيز على الصوت النسائي وسيلة استقطاب استهدفت النساء والفتيات على امتداد خارطة الوطن العربي وفي أوروبا أيضا. هي إذن أول منظرة فقهية في داعش ، والمرأة التي أرضعت أبنائها الدم منذ صغرها. يعتقد أنها قد  فارقت الحياة مؤخرا في إحدى الغارات الروسية على مواقع لداعش في الرقة، والخبر غير مؤكد، لكن الأكيد أن لا أحد يعرف ما تفكر فقيهة داعش الآن إن كانت ما تزال على قيد الحياة.

مسفر القحطاني : العائد من الجحيم

كان من الممكن أن يكون مسفر القحطاني، طالب المعهد العلمي بأبها السعودية، علامة علمية أو أكاديمية مميزة في السعودية والعالم العربي. غير أنه، ومثل ايمان بغا وبنفس الدوافع، تأثر بكلام شيوخ يدعون للقتال في سوريا تابعهم لسنوات على مواقع التواصل الاجتماعي الأشهر والأكثر انتشارا، فيسبوك وتويتر، وعرف كيف يصل إلى داعش في سوريا والعراق. قصة مسفر القحطاني تشرح بوضوح كيف تستلب شريحة الخطباء الشباب العربي بسهولة ويسر وهي تعزف على وتر الدين ونصرة المسلمين الحساس، كما تظهر كيف سيطر هؤلاؤ الخطباء على المساجد، قبل سنوات، في أغلب الدول العربية الني لم تعد مسيطرة على المساجد وكانت النتيجة كارثية بكل المقاييس.

تكشف حكاية مسفر كما يعرضها الوثائقي، كيف تعمل آلة الإرهاب الإلكتروني التي تستخدم بشكل مراوغ ومتنوع  أساليب خطيرة لاستمالة الشباب و تجنيد الاطفال. المسفر غرق في الفيديوهات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، وصار مدمنا على متابعة حصص خاصة تنشر على مواقع التنظيمات الإرهابية، تعلم الصغار والشباب كيفية استعمال السلاح.

خطورة هذه الاستراتيجية تكمن في طريقة التسلل إلى نفسية المتابع علىى النت من خلال تأريخ اتصاله بالنت، حيث يتم تحليل ميولاته بسرعة، وتتكلف جهات خاصة في الجناح الإعلامي للتنظيمات الإرهابية، بدعوته إلى إكمال النقاش في الدردشة الخاصة، حيث يتم تشجيعه على العنف إذا أبدى استعدادا له، أو إغرائه بالجنس إذا كان مدمنا عليه. المهم أن كل الطرق ممكنة ومشروعة للوصول إلى استلاب كامل لعقول الشباب المستقطب. مسفر القحطاني نجح في الوصول إلى تنظيم النصرة والطريق دائما عبر تركيا. عناصر النصرة المتموقعة سرا في السعودية، سهلوا المأمورية من جدة إلى اسطنبول ثم انتاليا ليدخل سوريا مع مهرب ب2000 ليرة سورية، حصل عليها بعد أن اختلس أموالا من أبيه. عناصر الخلية أفهموه كيف ينتقل برا أو جوا، ثم يتفقون معه على مكان في جنوب تركيا سيشكل نقطة العبور إلى سوريا.

في أحد الأيام، هناك في أحد مسعكرات  جبهة النصرة في سوريا، اقترب أحدهم من المسفر وقال له ‘‘أمك ظهرت على التلفزيون وتحدثت عنك وقالت إنها تفتقدك‘‘. وقع الخبر في قلب الشاب الذي لم يقطع علاقته العاطفية بالأسرة والوالدة على وجه التحديد. وزاد من حسرته، كونه يعيش إحباطا في الواقع غذاه اكتشاف الفرق الشاسع بين ما يعيشه حقا وما أوهمته خطابات البروباغاندا على مواقع التواصل.

اتصل بأمه التي لم ينس رقم هاتفها قط وبكا طويلا وهو يحدثها. أم مسفر سمعت صوت ابنها وسرعان ما اتصلت بأحد البرامج التلفزية السعودية  لتنقل ندائها إلى المسؤولين للعمل على استرجاع ابنها على الفور، وهو ما التقطته السلطات السعودية وحققته. كانت من أكثر مقاطع هذا الوثائقي حميمية وتدفقا بالمشاعر الإنسانية، لحظة عناق الأم لابنها العائد.

 

 

إسلام يكن : تراجيديا إنسانية

إسلام يكن، الشاب المصري الذي كان يملأ وقت فراغه الطويل بممارسة رياضة كمال الأجسام، لم يتحرك نحو أي مكان لاعتناق الفكر الجهادي، بل بدأ الرحلة من حيث يوجد في النادي الرياضي، بعد أن تعرف على شباب دلوه على ‘‘طريق البر‘‘ انتهى به إلى كره الناس والمجتمع والدولة والعائلة وكل شيء جميل كان يعيش لأجله قبل التطرف. اسلام يكن كان يعيش فراغ نفسي قريب الصلة من النماذج الاجتماعية التي عاش فيها شباب مسلم في الدول  الاوروبية والعربية الاخرى.

مكالمة مفاجئة من صديق على الفايسبوك، ستنقل إسلام يكن  إلى سوريا للقتال، مع وسيط مصري اسمه دنجل ساعده في الحصول تأشيرة الدخول لتركي، بعد أن السفارة التركية في القاهرة قد رفضت منحه إياها، وهو ما يظهر قوة وسطاء التنظيم في الوصول إلى تأشيرات تركيا تحديدا، عبر وسائل غير قانونية. الوثائقي كشف شبكة السماسرة المنتشرين في مصر والعالم العربي وتركيا، المكلفين بتسهيل دخول المقاتلين إلى داعش، وهي مهمة تقوم بها خدمة الهجرة عن طريق المسمى ‘‘طراد ابو محمد الشمالي‘‘ ما يحيل على الكثير من التواطؤ في دول الهجرة، خصوصا عندما تمحى أسماء المبحوث عنهم ممن كل قواعد البيانات في الجمارك والحدود الأمنية بين الدول.

لم تمض أيام  على وصوله إلى سوريا،حتى وضعت داعش فيديو لإسلام يكن في غارة سيطر فيها داعش على موقع عسكري في سوريا. في الفيديو يبدو إسلام متباهيا على تويتر بقطع رقاب أسرى، وملتقطا صورا فوق الجثت المجزوءة من رؤوسها. إلحاح على التصوير امام الرقاب المقطوعة يكشف فلسفة الرعب التي يحاول بها التنظيم التأثير المباشر على المتلقين الشباب في العالم العربي وأوروبا. إسلام يكن رسم معالم نهايته بنشر صورته مع الرؤوس المقطوعة، وانتهى بتفجير نفسه في كوباني في عملية ضد قوات كردية.

 أم محمد خلود : آلة الشر

على عكس شخصيات الوثائقي الأربع الأولى، لم تكن السعودية ابنة الرياض أم محمد خلود ذات تعليم عالي، بل توقفت رحلتها مع المعرفة في السلك الابتدائي. لقد كانت ربة بيت عادية، غير أنها كانت تتعاطف ‘‘من بعيد‘‘ مع خطاب التطرف وشيوخه، وكانت تستشعر الكثير من الغضب والثورة عندما تطرح هذه الخطابات مواضيع عن ‘‘المؤامرة الصهيونية العالمية ضد الإسلام والمسلمين‘‘ وغيرها من المواضيع ذات الصلة، كخطاب المؤامرات الغربية لتعرية المرأة العربية المسلمة، والطاغوت و الخلافة و الحجاب و النقاب، التي تؤجج المشاعر وتلهبها وتعد المتلقي للمرور إلى الفعل مباشرة. غير أن ما قربها من الفعل الإرهابي حقا، كان شقيقها صيار الذي التحق بداعش في وقت سابق.

أم محمد خلود استغلت ضعف زوجها، وسيطرت على أبنائها بل كانت تهددهم من أجل تنفيذ الأعمال الإرهابية حين التحقت بالنواة السرية لأول خلية داعشية في الرياض. كان سلوكها عنيفا جدا، ولم توجه وتحث فقط كباقي النساء في التنظيمات النسائية، بل مرت إلى التقريع والتعنيف وتهديد أبنائها ب‘‘عدم الذهاب إلى الجنة بعد تنفيذ أية عملية لأنها لن تمنحهم الرضا إذا هم تقاعسوا‘‘.

بين سوريا والسعودية وزعت أم محمد خلود أبنائها الثلاث، وكانت تتواصل مع قيادة التنظيم عن طريق الابن الأكبر. لم تنتقل إلى سوريا بأمر من قائد الخلية في السعودية، الذي أوكل لها مهمة مراقبة الجوامع والأماكن الأمنية ومقرات للحرس الوطني بالسعودية، و توفير الخرائط وحمل الأسلحة ونقلها والتمويه على رجال الأمن وتحديد مكان الأمنيين، مستغلين كونها امرأة نادرا ما تخضع للمراقبة. قضى ابنها الأوسط في عملية انتحارية في منطقة الأحساء، بأمر منها شخصيا، فيما لا يزال ابناها الآخران في مواقع القتال بين الرقة والموصل.

تعليقات الزوّار (0)