كل سنة ونحن محتفلون

الجمعة 28 دجنبر 2018
حكيم بلمداحي
0 تعليق

AHDATH.INFO: حكيم بلمداحي

سنة سعيدة لكل المغاربة وللبشرية.. نعم سنحتفل بالسنة الجديدة.. وسنقتني الحلوى من المحلات التي لم تعلق إعلان مقاطعة الاحتفال.. احتفلنا لأننا نحب الحياة، ولأننا ألفنا الاحتفال، ونحب اقتناص لحظات الفرح، ولخفافيش الظلام نكدهم الأبدي..
ولدت وترعرعت في قرية لم تكن تحتفل برأس السنة الميلادية، ليس لأن المناسبة للنصارى، بل لأن قريتي في ذلك الوقت لم تكن تعرف المناسبة.. وسائل التواصل حينها لم تكن بالتطور الذي تشهده في يومنا هذا، لذا لم نعرف أن المناسبة للاحتفال.. لكن في قريتي هناك احتفال دائم ومستمر.. الناس هناك يحتفلون بكل شيء.. يحتفلون بالحرث وأثناء الزرع، وفي الحصاد، وحين درس المحصول وتدريته..
الناس هناك يحتفلون، ويحتفون بهطول الأمطار، وبحملة الوادي وبمجيء الشعاب.. يحتفلون بحفر الساقية وتنقيتها، وبقلب الأرض استعدادا لزرعها.. يحتفلون بزرع «المحبب» وغرس الحناء. يحتفلون بضيف عزيز جاءهم، وبمولود جديد يأتي. يحتفلون حين ولادة البقرة، ويغنون أثناء تلقيح أشجار النخيل. يحتفلون ببروز حبات التمر الجديدة وبتفتح الأزهار.. يغنون لأغنامهم في المراعي، وأثناء إخراج دوابهم وماشيتهم للشمس في أيام البرد.. وكان البرد أيضا يحتفل معهم بصقيع وزفير وقساوة.. قساوة الحب أكيد..
أهل قريتي يحتفلون بفاتح «الناير» ويهيؤون له «سبع خضاري» ويتنافسون متحلقين حول المائدة، على من يجد «العلفة» لكي يستأثر بمفتاح بيت «الخزين»..
أهل قريتي كانوا يحتفلون. يحتفلون ويفرحون ويغنون.. يغنون للأفراح في الأعراس والمناسبات الكثيرة.. العيد الكبير والعيد الصغير وعيد المولد النبوي وعاشوراء والناير ورمضان وشعبان وفي العقيقة، بل يغنون حتى في أحزانهم، ويرثون موتاهم شعرا مغنى.. يغنون وهم ذاهبون للحقول.. يغنون وهم عائدون من الحقول.. يغنون في الصيف للحر، وفي الشتاء للبرد، وفي الربيع للحب وللطبيعة.. تلك الطبيعة التي تماهوا معها وصنعوا بأيديهم شروط العيش للتكيف معها، بحب واحترام..
قريتي بطقوسها تلك، هي جزء من قرى ومدن وأرياف في كل البلد. في الريف وجبالة والغرب والشاوية وعبدة ودكالة والحوز والأطلس وسوس وفي الشرق والساقية الحمراء ووادي الذهب.. تلك هي حياة المغاربة على طول السنين.. فمن أين أتى لنا هذا القرف الذي يرى في كل احتفال منعا وتحريما وتجريما.. كرها وعنصرية وتمييزا..؟ من أين أتى لنا هذا النكد الذي يجعل صاحب مخبزة يشهر رفضه للاحتفال لأن المناسبة ليست من أعيادنا؟ من أين أتى هذا القرف الذي يجعل متجهما يستخسر فينا لحظات من الحب والفرح؟ وماذا يعرف هؤلاء عن الفرح؟ بل ماذا يعرفون عن هذا البلد؟ هذا البلد الذي يعتبر الفرح حيويا كالماء والهواء وليس طقسا مصطنعا؟ أكيد يعرف بعضنا من أين جاءت هذه التصورات البخسة الرخيصة.. فيا أبناء بلادي أغلقوا صنبور البؤس والشؤم وعقلية أهوال القبور واحتفلوا، فالحياة غناء، والحياة احتفال، والحياة فرح... وسنة سعيدة دوما وأبدا.. ودام لنا احتفالنا ودام لهم بؤسهم...

تعليقات الزوّار (0)