الثورة الرقمية بالمغرب و*الكورونا*

الجمعة 1 مايو 2020
محمد البوزيدي
0 تعليق

محمد البوزيدي

يوما ما عن يوم يتأكد جليا أن المجتمع المغربي قد دخل منعطفا خاصا في مسار التحديث والتطور التاريخي .
فمنذ بداية مرحلة "كورونا" التي أصبحت مرحلة تطلق على الفترة الحالية التي تعرف العديد من الفترات والتحولات والانعكاسات والتغيرات تطال حياتنا الشخصية والعامة على مناح مختلفة ومتعددة .
فمنذ بداية مرحلة الحجر الصحي فرضت حالة الطوارئ الصحية على العديد من المواطنين عدم الخروج من منازلهم إلا لسبب موضوعي وبوثيقة مكتوبة، كما اضطرت الإدارات العمومية مركزيا ومحليا التفاعل مع الأزمة الحاصلة بوضع برانم خاصة وتزويد المواطنين بتوجيهات لتطبيقها من أجل قضاء مختلف أغراضهم عن بعد سواء ماليا أو إداريا .
أما السلطة الرابعة فقد اضطرت إلى وضع ملفاتها الرقمية وصحفها اليومية  بالمجان .

أما وزارة التربية الوطنية فمع توقف الدراسة فقد اشتغلت بمنهجية أخرى تعتمد إنتاج الدروس بتقنية الفيديو فكانت الحصيلة الايجابية غير متوقعة بتصريح المسؤولين عن القطاع في برامج التعليم عن بعد ،واتخذت بعض الأكاديميات قرارا باعتماد الضبط الرقمي عوضا عن مكتب الضبط العادي  لتوثيق التراسل الإداري  .
حتى قطاع العدل الذي هو مجال لصيانة الحقوق العامة والخاصة وضمانها اعتمد بعد تحضير مسبق منهجية المحاكمة عن بعد صيانة لمصالح السجناء وتسريعا للأحكام التي بقيت معلقة.
أما المواطن، فمع هذه الاكراهات وبسبب الحاجة، فقد اضطر للتعامل مع التقنية التي كان يتهرب منها بمبرر ذاتي أو موضوعي،فأصبح يبحث عن الحل الذي لن يكون إلا بالتكيف مع الوضع الذي فرض عليه تطوير مهاراته المختلفة للسباحة في عوالم القارة الزرقاء.بل وتمرير ثقافة الرقمي في المنحى الايجابي لمختلف أفراد الأسرة التي تفاعلوا مع إكراه البقاء في البيت ليفتحوا أفقا جديدا للحياة .
فهل كان من الممكن أن نقفز هذه القفزة لولا إكراه الكورونا ؟ أكيد أن الجواب سيكون لا.والسبب أننا كنا غير مستعدين للتحول –نفسيا على الأقل - وكنا نتقاعس في التفاعل مع المستجدات والبرانم  التي بدأت مختلف المصالح في التعامل معها بوتيرة خفيفة مرتبطة بالحاجة أكثر من المبدأ الذي يقتضي الانخراط في التحول الرقمي الجاري .

إن التردد الجاري لمواكبة الثورة الرقمية بالمغرب لا يقتصر على المواطن، بل يشمل الإدارات العمومية نفسها . فرغم أننا نتوفر في بلدنا على وزارة مكلفة بالملف وفي اسمها الرسمي كلمة الاقتصاد الرقمي وأن وكالة التنمية الرقمية أطلقت عدة مبادرات رقمية لتشجيع تعتمد معايير أمن المعلومات الجاري بها العمل وتيسير العمل عن بُعد بالإدارات المغربية.فإن التفاعل المؤسساتي والمقاولاتي معها  يبقى محتشما بشكل كبير ولا يتجاوز أكثر من 20% من التحدي المأمول .

وللتذكير فإن الوكالة اعتمدت لحد الساعة أربع مبادرات مهمة وهي :

المبادرة الأولى- بوابة مكتب الضبط الرقمي للمراسلات الإدارية: و يسمح للإدارات والهيئات العمومية بإحداث مكاتب ضبط رقمية من أجل التدبير الإليكتروني لتدفُّقات المراسلات الواردة والصادرة. وبذلك يصبح بوسع المواطنين والمقاولات والإدارات والهيئات العمومية إيداع مراسلاتهم بالإدارات المعنية مقابل وصل رقمي بتأكيد الاستلام. ويمكن الولوج إلى بوابة مكتب الضبط انطلاقا من رابط الأنترنت التالي: https://courrier.gov.ma/virtualbo/.

المبادرة الثانية – الخدمة الإليكترونية للمراسلات الإدارية: وتسمح للإدارات بمعالجة المراسلات آليا. وتمكن هذه الخدمة أعوان الإدارة من معالجة وتتبع المراسلات الواردة والصادرة عبر إدارة سير العمل Gestion des workflows الخاصة بالبحث والمصادقة. ويمكن الولوج لبوابة الشباك الإليكتروني للمراسلات الإدارية انطلاقا من رابط الأنترنت التالي: https://courrier.gov.ma

المبادرة الثالثة: الخدمة الإلكترونية "الحامل الإليكتروني  "(parapheur éléctronique): و تسمح بالتجريد المادي الكامل لتدفق مختلف الوثائق الإدارية التي تستلزم قيمة إثباتية. ولهذه الغاية، فهي تتضمن إمكانيات جديدة تهم بالخصوص تدبير تدفق العمل Gestion des workflows (تدبير الموارد البشرية، المشتريات واللوجستيك والتواصل الداخلي،...) والتوقيع الإليكتروني للوثائق الإدارية. ويمكن الولوج لبوابة الحامل الإليكتروني انطلاقا من رابط الأنترنت التالي: https://courrier.gov.ma/parapheur/
وبالنظر لما سبق، كانت النتيجة الطبيعية هي الرفع من الأداء المهاري والإداري والمالي لمختلف أفراد المجتمع وانفتاحهم على عوالم أخرى، بل والاقتصاد في نفقات التنقل وتدبير الزمن اليومي الذي كان يكلف كثيرا مرتفقي  الإدارات العديد من المصاريف ،أما الإدارات فقد ربحت كثيرا في أرشفة مختلف وثائقها التعاملاتية والتخلص من ركام هائل وضخم من الأوراق وتخفيف العمل .
ومن الطبيعي جدا أن الثورة الرقمية التي نشهدها ستكلف شيئا ما من ناحية فرص الشغل وسوق التنقل،لكنها بالتأكيد أعطت زخما للمجتمع ليتقدم في مسارات حياته اليومية من مناح مختلفة، وبأفق يتجاوز طابعا تقليديا كان مهيمنا فيما مضى .
لقد كشف الزمن الماضي أننا يمكن أن نتجاوز الكثير، وأن نكتسب ونكسب الكثير، وأن نتفاعل مع الكثير،فالجديد دوما له ضريبته الخاصة، لكن أريحيته وإثارته تبصم على أفق جميل وجذاب للحياة .

تعليقات الزوّار (0)