مناضل بدرجة رجل دولة

الراحل عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول الأسبق
الجمعة 29 ماي 2020
دافقير يونس
0 تعليق

AHDATH.INFO

حين استبعد من قيادة الحكومة بعد انتخابات 2002، كان بإمكانه أن «ينتقم» وأن ينهج سياسة «الأرض المحروقة»، لم يكن سهلا أبدا أن يطوى صفحة حكومة التناوب التي وضع كل ثقله التاريخي فيها، ولم يكن سهلا أيضا أن يتقبل استبعادا قاسيا، لكنه، وكما تحمل قساوة تاريخه كاملا، تحمل كذلك هذه الجزئية القاسية فيه.

ابتلع القسوة التي برع خلفه ادريس جطو في وصف أجوائها بقوله : «أثناء استقبال الملك للسي عبد الرحمان أخبره بأنه سيعين السيد جطو وزيرا أولَ. التقى السي عبد الرحمان بكافة الوزراء بمطار مراكش وامتطوا الطائرة ووصلوا إلى الرباط، وودع الجميع دون أن يخبر أيا منهم باسم الوزير الأول الجديد المعين. رجع السي عبد الرحمان إلى بيته، غير ملابسه وتوجه لحضور أمسية شعرية نظمها بيت الشعر في المغرب بقاعة ثريا السقاط بالدار البيضاء حيث ألقى كلمة كانت مبرمجة باسمه ومن موقعه كوزير أول. ثم استمع باقي الوزراء، عبر نشرة الأخبار المسائية، إلى بيان الديوان الملكي بإعفاء اليوسفي وتعيين جطو وزيرا أول».

هناك من بوكسيل سيلقى محاضرته الشهيرة، سيقوم بتقييم لتجربته وللأوضاع المغربية، اختار جمله وكلماته بعناية فائقة، وكما لو أنها كتبت ببعض من دموعه وكثير من أساه دون أن تخرج من تحت سلطة العقل، قال فيها كل شيء ومضى، وجعلها نقطة نهاية لنشاطه الحزبي، ولممارسته السياسية الرسمية.
غيره كان سيكون له موقف آخر، أكثر عدوانية ربما، المثال النقيض لحالته مايزال موجودا بيننا، لم يجر خلف أطماع البقاء تحت الأضواء، لم يطلب معاشا عن تاريخه، لم يبتز حزبه ولم يزايد عليه، لقد مضى لحال سبيله وكفى.

وكان ممكنا أن يكون مزعجا، شبكة علاقاته كثيرة ومتشابكة ومعقدة عبر خارطة العواصم الدولية، مصداقيته بوزن شموخ جبال الأطلس، كلمته مسموعة وبوحه مؤثر، تصريح هنا وحوار تلفزي هناك كانت كافية لترعب من حوله، غير أن اليوسفي سيختار أن يكون كبيرا، أن يدع التاريخ يحكم عليه، وأن يدع الناس تتحدث عنه، لا أن يتحدث عن نفسه ويقصف خصومه ومنافسيه. تحتاج لكثير من السمو كي تكون بهكذا رفعة.

وحافظ على العهد والوفاء، جاء بعده إدريس جطو وبعدهما عباس الفاسي، ثم عبد الإله ابن كيران فسعد الدين العثماني، ظل يراقبهم من بعيد ويسجل ملاحظاته في صمت، لم يطلب من أحد أن يستقيل أو قال له إن قراراته وسياساته أقل من مستوى ما أنتجته حكومة التناوب. وبعده أيضا جاء محمد اليازغي ثم عبد الواحد الراضي فإدريس لشكر، ولم يسجل عليه أبدا أنه أربك أحدا من هؤلاء، وما أكثر حروبهم الصغيرة عليه، أو أمسك بتلابيب سلطته من خلف الكواليس.

الكبار كبار في كل شيء حتى في صمتهم وانسحابهم.

لم يشتك يوما، جمع كل شيء في «جيوب مقاومة التغيير» وأنهى كلامه. بحث عن الممكن من داخل الأكثر تعقيدا، وعن المتاح من قلب جحيم الممنوع، تحمل كل الضربات حتى ممن اعتقدوا أنهم فرسان الصحافة وسلاطينها، من فوق كرسي الوزير الأول أرادوا إسقاطه بدبابات أوفقير، غضب كما يغضب الأبرياء من باطل التهم، وكان عليه أن يكون صارما، ويمنع التلاعب بالتاريخ، و «الصياعة» باسم الصحافة، كان صحفيا كبيرا قبل كل شيء، ولذلك كان يحتقر، وعن حق الفاشلين سياسيا، ممن طلبوا لجوءهم في الصحافة.

هو لا يبكي هزيمته مثل غيره، بالعكس يتمسك بانتصاراته، وهو لا يخفي أن جيوب مقاومة التغيير أنهكته، لكنها لم تهزمه، لقد انتصر عليها بنظافته واستقامته وبمعرفته الدقيقة بأن ما يحتاجه المغرب يجب أن يهز مصالح بعض أصحاب النفوذ، وأن مغرب الغذ لابد أن يبنى على أنقاض أربعين سنة من التخريب، كان ذلك هو جوهر المعنى في التناوب بالنسبة إليه.

في «أحاديث فيما جرى» قالها بوضوح: «بخصوص ما أطلقت عليه "جيوب المقاومة" فإنه من الصعب تصوير هذه الجيوب تصويرا دقيقا. لكن الجميع يدرك أن من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة، أو لا يزال، ويرى في التغيير والتجديد تهديدا لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي، سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب. الواضح أن المصالح المتراكمة لا بد أن تجعل نوعا من البشر يستفيد من هذا الإرث، فنحن لا نستغرب أن تلك الجيوب موجودة ولها أثر سياسي، واستغلت وحاولت وضع كل العراقيل ، ولكنها لم تفلح في إفشال تجربة التناوب التوافقي».

هو أيضا رجل دولة حين ضحى بحزبه من أجل وطنه، الأهون أن ينهار الإتحاد الاشتراكي على أن يموت الوطن بسكتة قلبية، والإتحاد الاشتراكي المنهار اليوم هو ضريبة إنقاذ الوطن بالأمس، هو قربان ليبقى المغرب  متنفسا برئتيه وإن كان اليوسفي قد صمد في وجه الموت برئة واحدة، مرة أخرى قدم درسه البليغ : في الوطنية تتراجع أسهم الصراع السياسي.

بغير دستور يدعمه غامر في التجربة، لم يكن لديه ربع ما يتمتع به من أتوا بعده ممتطين صهوة دستور جديد، كان عليه أن يعوض ظلم الدستور بمهارات السياسة، ويتغلب على ميزان القوى المختل بممكنات التوافق، واستطاع أن يعيد بناء ثقة مفقودة بقسم فوق القرآن، لم يكن قسما لصفقة أو لكتمان الأسرار، كان قسما من أجل المضي معا نحو مغرب آخر، ودون طعنات غادرة.

لم يجد حرجا في أن يتشرد أبناء الإتحاد والقوات الشعبية من أجل تجربة سياسية قد لا تكون كاملة و مقنعة لكنها ضرورية وحتمية، وحكاية «أرض الله واسعة» هذا هو سياقها ومعناها ومغزاها، لا يمكن للاتحاد أن يتخلى عن مسؤولياته، لا يمكن للاتحاد أن يساير طموحاته وأهوائه في زمن يحتاج فيه العرش لانتقال سلس وهادئ، ظل مستعدا للنزيف ولثمنه الباهض، غادرته مجموعة أولى وثانية، انفضت من حوله قوته النقابية، انقلبت عليه أذرعه الجماهيرية في الجامعة ووسط الكتاب والحقوقيين … فقد الكثير من الإطارات التي كانت تغدي الحزب بقوته، لكنه لم يفقد إرادته في العبور الآمن بمغرب مهدد.

كان يعرف الحسم الثاني جيدا ويعرف مناضليه أكثر، وبينهما كان دقيقا في قراءته للمحيط من حوله، هو في تاريخه صاحب تحليلات ثاقبة، وقدرة هائلة على التقاط جزئيات السياق والظرفية ذات الدلالة البعيدة المدى، مع بداية الإنفتاح السياسي سنوات الثمانينات ذهب بعيدا في توسيع الفهم الإتحادي لخيارات المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 ، انتبه إلى أن الصراع مع الحسن الثاني استنفذ كل إمكانياته ولابد من صيغ جديدة، ولا بد من لاعبين جدد.

استدعى عائلته في الحركة الوطنية ودفع بتأسيس الكتلة الديمقراطية، هذه واحدة من براعاته، حتى إبان الإستعمار وفي سنوات الرصاص، في إحداث تغيير في ميزان القوى لما لا يكون في غير مصلحته. يرفض النزعة المغامرة، ويمقت العنف، وبسبب ذلك انقطعت علاقته بكثير من رفاقه، في المقابل يؤمن حد العقيدة بأن كل شيء يمكن تحقيقه بالسياسة وبتوافقات السياسة.

في السياسة ليس هناك تأمين، تلك مقولته الشهيرة، لا بد أن تتخذ قرارك وتنتظر إلى أين سيقودك، سنة 1992 دافع عن التصويت لصالح «الدستور الممنوح» ليس من أجل الدستور نفسه بل من أجل ما سيتيحه من أجواء سياسية، وحين لم ينجح في ذلك بسبب مقاومة رفاقه، سيعود لمعاودة الكرة سنة 1996، في تلك السنة سيدفع اليوسفي نحو طي صفحة طويلة من الجدل في التاريخ السياسي المغربي: جدل السلطة والمشروعية الدستورية، و لأنه واثق من حدسه كان له ما يفكر فيه دائما: قد لا يكمن الدستور جيدا، لكن الدينامية السياسية التي أثت بعده دينامية غير مسبوقة.

ماذا لو كان اليوسفي رئيس حكومة وليس وزيرا أول؟ يصعب الجواب لأن السياقات ليست نفسها، لكن أمر واحدا مؤكد، في هذا الدستور الذي وصلنا إليه كثير من نضالات عبد الرحمان، وكثيرا من حكمة عبد الرحمان، وقد أكبر من الوفاء لما كان يحلم به رجل دولة من طينة اليوسفي.

هو زعيم وطني ورجل دولة، ومن الناذر جدا أن تجتمع الصفتين في رجل واحد.

تعليقات الزوّار (0)