بودرقة يحكي بوح سي عبد الرحمان اليوسفي

عبد الرحمان اليوسفي ومبارك بودرقة
الجمعة 29 ماي 2020
متابعة
0 تعليق

AHADTH.INFO

عندما قررت، في سنة 2016، نشر مجموع حلقات «رسالة باريس» للمرحوم مـحمد باهي حرمة، وشرعت مع صديقي أحمد شوقي بنيوب في تجميع موادها من أرشيف صحافتنا ووثائقنا، برزت لنا مواد أخرى ذات أهمية، كانت بدورها تتطلع للنشر، وتتمثل في مداخلات في الثقافة السياسية والذاكرة النضالية للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي.

أحيت في هذه العملية الأمل في تحقيق حلم راودني لفترة طويلة مع السي عبد الرحمان، تقريبا طيلة ما يقارب عقدين من الزمن. حلم موصول باقتناع، كون الرجل قال وكتب ما يكفي، بل كان يسهر شخصيا على تحرير مداخلاته وخطبه ويحرص على انتقاء دقيق للكلمات، وصياغة الرسائل التي كان متفوقا في إعدادها وبعثها إلى أطراف الدولة والمجتمع، فضلا عن أن العديد من الناس والرفاق والأصدقاء الخلص ظلوا يطالبونه بنشر ما تراكم لديه من كتابات.

بادرت، إذن، إلى تجميع ما في المتناول وأخذت على عاتقي مهمة إصدار هذه المتون، من التاريخ السياسي والفكري لهذا الوطن، وذلك حتى يتمكن المؤرخ والباحث من الرجوع إليها، باعتبارها نتاج أحد الشهود الكبار حول مرحلة طويلة بصمت التاريخ المغربي الراهن.
ويرجع اقتناعي بهذا القرار إلى سنوات خلت، حيث إنني كلما التقيت السي عبد الرحمان، كان يثير قضايا وأحداثا عاشها في الماضي، ويسردها بدقة إلى حد أنني كنت أتلقاها وكلي خوف على ضياعها. كانت ذاكرته خزانا متدفقا لتفاصيل ما جرى.

سيرة عبد الرحمان اليوسفي بلسان مبارك بودرقة

وكثيرا ما حاولت إقناعه بتدوين سيرته، خصوصا أدواره ومواقفه في الحركة الوطنية، وفي المقاومة وجيش التحرير وفي ما شهدته بلادنا من أحداث جسام بعد استقلالها. وكان يقابل إلحاحي بصمت أو بابتسامته العريضة التي لا تفارقه، والحاملة لكل المعاني والتأويلات التي يمكن أن تتبادر إلى الذهن.
عندما كثر إلحاحي على ضرورة الكتابة والتدوين على الأقل ولو دون نشر في الوقت الراهن، أسر إلي بأن العديد من أصدقائه ومن الصحافيين عرضوا عليه هذا المشروع، لكنه بقي مصرا على تقديره للأمور، هكذا.

خاطبته ذات مرة: «لقد قررت أن أذكرك، كلما ألقيت عليك تحية السلام، بضرورة التدوين»، فأجابني: «وأنا على استعداد لأن أقول لك، وعليكم السلام»!
بقيت طيلة مشوار محاولاتي مع بوح السي عبد الرحمان، أتتبع منسوب الوفاء والإخلاص في شخصية الرجل، فهو صاحب نية خالصة، متأن في القول والكتابة، كما قال عنه صديقه الأستاذ الأخضر الإبراهيمي: «إنه الشخص الذي يلوي لسانه سبع مرات قبل أن يتكلم». فهو من صنف السياسيين الذين اعتبرهم الزعيم البريطاني تشرشل، «السياسي الحقيقي يفكر أكثر من مرة قبل أن يصمت».

بقي السي عبد الرحمان بخصاله الأصيلة تلك، إنسانا صبورا متحملا لشدائد الزمن، لا يبوح كتابة إلا بعد تفكير وتأمل، ولا ينطق شفهيا إلا بما يبدو له من إشارات ورموز. ويخيل إليك، وهو على هذه الحال، كأنه يملك الدهر كله لتحقيق مراميه!
واصلت مشوار حلمي مع الرجل، وأنا على يقين أن «عناد» السي عبد الرحمان، توأم خصال أخرى فيه، فهو مهذب، أنيق، سلس المعاشرة، نبيل ووفي لنفسه ولأفقه، وكذا لرفاقه ومحبيه.

وفي تفاعلي مع شخصية الرجل بغنى كيميائها، كان أملي يزداد في إمكانية بوحه، وكان علي التزود بمزيد من الصبر، وهو من خصاله، لتحقيق الحلم الذي سعيت لأجله على مراحل…

عبد الرحمان اليوسفي وابراهام السرفاتي

هكذا، شرعت في تجميع واستكمال وتوثيق ما يتصل بإنتاجات السي عبد الرحمان اليوسفي، وهي غزيرة، متنوعة، موصولة بماضيها، بنت زمنها، ومنفتحة على مستقبلها. إنتاجات في الفكر السياسي، صقلها بإبداع وبعد نظر، متفاعلا مع القضايا الكبرى لبلده، على مستوى حقوق الإنسان، والإصلاحات السياسية والدستورية، وبناء رأي عام وازن بشأنها، وصولا إلى تحمل المسؤوليات الأولى في قيادة حزبه وعلى مستوى رئاسة السلطة التنفيذية. وتم تدوين إنتاجاته ذات الطبيعة التحليلية الفكرية الاستراتيجية، على مستوى الجزء الثاني والثالث من هذا الإصدار.

وبقي يراودني ما يتصل بسيرة الرجل، منذ طفولته، فشبابه، وأدواره في الحركة الوطنية ومعركة الاستقلال، نيله ذلك الاستقلال وبناؤه، وفيما بعد رحيله الاضطراري صوب المنفى لسنوات طويلة، وتفاعله من أوساطه المختلفة، مع أحداث عصره وشخصيات جيله من الكبار، ثم عودته لاحقا إلى وطنه وبقاؤه قريبا من نبض مجتمعه، بمختلف أجياله ومناطقه… وكان بذلك، يفصح عن خصاله الإنسانية الرفيعة.

على مدار جلسات، حاولت أن أتلقى من الرجل، وبصيغ متنوعة، ما يتصل بهذا المستوى، من حيث التدوين المباشر، والتوثيق البعدي، والتسجيل الصوتي… ولأن غايتي من محاولة البوح، كانت تهدف وصل ما كتبه الرجل بذاكرته وبحكيه المباشر، وجب علي التحلي بالإنصات والصبر والمثابرة، ككلمات السر في التواصل معه، هو الذي كان دقيقا في أجوبته، ممتدا في التنقيب عما جرى في أزمنة الماضي البعيد، لأزيد من ثمانين سنة.

ومن عمق ذاكرته المتيقظة، أمكن استخراج العديد من الوقائع التي عاشها، وهو في قلب الأحداث وفي مقدمة الجبهات والصفوف، سواء داخل المغرب أو خارجه. وقد تم التوصل إلى هذا البوح الذي يجمع بين السيرة والمسار، والذي تم تعزيزه بشهادات وإفادات إضافية، تضمنها الجزء الأول من الإصدار واخترت تسميتها، شذرات.
أثناء إعدادي هذا الإصدار، بأجزائه الثلاثة، كنت أتأمل مسيرة هذا الرجل ومنسوب تفاعله، من موقع المجتمع أو الدولة، أو منهما معا، مع السياسة بأعاصيرها، أحداثها، منعرجاتها، هزاتها، محاورها ومنحنياتها.

كان الرجل قائدا من طراز رفيع. وتدل الأجزاء الثلاثة من هذا الإصدار على ذلك. فكثيرا ما استوقفتني مواقف وقرارات وتصرفات وإشارات بدرت عنه، تفصح عن شخصيته، أستحضر بعضها في الفقرات الموالية.

عبد الرحمان اليوسفي والأخضر الابراهيمي

كان يشدني دوما فرحه بيوم 8 مارس من كل سنة، ففضلا عن كونه يصادف يوم ميلاده، كان يمثل بالنسبة إليه لحظة تأمل في نوعية التقدم الذي أحرزته المرأة، وفي طبيعة الصعوبات السوسيوثقافية التي تحول دون تمتعها بحقوقها كاملة. فالرجل، بحكم تربيته ومساره وحسه الحضاري وعمق ثقافته وانخراطه في عصره، بقي دائما مدافعا عن حقوق الإنسان، وفي جوهرها وعمقها قضية المرأة، وذلك في مجتمع مشدود إلى جذوره المحافظة. كان سي عبد الرحمان على اقتناع عميق بأنه لا يمكن لهذا البلد التقدم ونصفه معطل أو مقموع.

وبمناسبة إعداد هذا الإصدار، استحضرت، وأنا وقتئذ في المنفى، نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، كيف شكل تعيين السي عبد الرحمان وزيرا أول حدثا وطنيا ذا بعد دولي، حيث تفاعلت معه الدول الكبرى، التي بعث رؤساؤها رسائل التهنئة إلى ملك البلاد وإلى اليوسفي، وأذكر منها الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا وغيرها من الهيآت والمؤسسات، وكذا عدد وافر من الديمقراطيين وأنصار حقوق الإنسان عبر العالم. كان توليه مسؤولية رئاسة الحكومة، كمعارض بارز، سابقة في العالم العربي، وكان من الأحداث السياسية الكبيرة على المستوى الإفريقي.

وأتوقف عند موقف من مواقف الرجل، فأثناء التحضير للانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 2002، وكانت آخر ولاية لحكومة التناوب التوافقي التي ترأسها، كانت كل الأحزاب السياسية، بما فيها حزبه، متشبثة بالحفاظ على الترشيح الفردي، فيما أصر السي عبد الرحمان على أن يكون الترشيح باللائحة النسبية هو المعتمد، باعتبارها الأسلوب المأمول للحد من التزوير وشراء الذمم، وتعبيد الطريق، لدخول المرأة المغربية قبة البرلمان، بواسطة لائحة وطنية، تؤسس للمناصفة. كان في ذلك مبدعا ومتفاعلا مع إرادة الملك محمـد السادس الذي كان يرغب في أن تكون هذه الانتخابات، وهي الأولى في عهده، مناسبة للقطع مع أساليب الماضي.

كانت لحظة من لحظات المصالحة مع السياسة في العمق. وأتذكر أيضا، وأنا بصدد إعداد هذا الإصدار، ما رواه لي السيد إدريس جطو، وزير الداخلية آنذاك، وقد كلف بنقل خلاصات استشاراته مع الأحزاب السياسية وتشبثهم بالاقتراع الفردي إلى السي عبد الرحمان، إذ كان يرد عليه هذا الأخير معقبا: «السي إدريس، قل لهم أن يبحثوا عن وزير أول آخر». ومع توالي اللقاءات حول الموضوع نفسه، لم يعد يناديه بالسي إدريس، وأصبح يخاطبه، بصفته الرسمية، بالقول: «السيد وزير الداخلية، ابحثوا لكم عن وزير أول غيري».

وأستحضر بذات الدرجة نوعية تفاعل الرجل مع الأوساط السياسية المغربية، وذلك عندما قدمت القناة الأولى شهادات لقادة سياسيين من بينهم الدكتور عبد الكريم الخطيب. وأثناء حديثه عن مرحلة 1963، تطرق إلى ما عرف بملف مؤامرة 16 يوليوز 1963، التي اتهم بها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان من ضمن ما ورد في شهادته أنه تدخل لدى السلطات حتى لا يتعرض عبد الرحمان اليوسفي للتعذيب. وأضاف أنه تم فعلا توفير إقامة خاصة له، بقي فيها إلى أن حان موعد المحاكمة.

علق السي عبد الرحمان باقتضاب، مذكرا بحقيقة ما جرى: «سامح الله الدكتور عبد الكريم الخطيب. لقد اعتقلت كباقي القياديين والمناضلين الاتحاديين، وكان الاستنطاق الأول بمركز الشرطة بالمعاريف بالدار البيضاء، والاستنطاق الثاني بدرب مولاي الشريف سيء الذكر. وفي إحدى جلسات الاستنطاق بهذا المعتقل، رفعوا العصابة عن عيني، وكانت دلالتها لدى الجلادين، أنه عندما يتاح لك التعرف عليهم، فهذا يعني في شريعتهم أنك لن ترى النور بعد ذلك… وفي الوقت ذاته، تقدم إلي شخص ضخم الجثة أسمر اللون قائلا: «أنا الذي وضعت القنبلة في ديسمبر 1962 التي فجرت «أمبريجيما»، وهي المطبعة التي كانت تطبع فيها صحف حزب الاتحاد الوطني ومنشورات الاتحاد المغربي للشغل. وبعد ذلك، كانت الاستنطاقات الأخرى بدار المقري بالرباط، وما أدراك ما دار المقري! وبعدها تم نقلنا إلى السجن المركزي بالقنيطرة. وعند بداية المحاكمة، حولنا إلى سجن لعلو بالرباط، وقد طالب ممثل النيابة العامة بالحكم علي بـ15 سنة سجنا. وكان الحكم النهائي بسنتين مع إيقاف التنفيذ». هكذا فضل السي عبد الرحمن أن يعقب على المرحوم عبد الكريم الخطيب.

وتحضرني شهادة السيدة كريستين السرفاتي، عندما قالت: «التقيت أول مرة عبد الرحمان اليوسفي في الثمانينيات من القرن الماضي بقصر المؤتمرات بجنيف، في إحدى الندوات عن حقوق الإنسان، وكنت وقتها من المتحمسين والمدافعين عن البوليساريو. جلست مع الرجل، فكان المغربي الوحيد الذي شرح لي بيسر ماذا تعني القضية الوطنية بالنسبة للمغاربة. كانت قدرته على الإقناع هي التي غيرت بشكل نهائي مواقفي السابقة حول قضية الصحراء». وكم هو بليغ قول هذه السيدة الفرنسية، الشرسة في دفاعها عن حقوق الإنسان، إزاء من يعتبر السي عبد الرحمان شخصا غامضا ولا يحسن التواصل.


كما تحضرني رواية السيد ادريس جطو، بعد الاجتماع الوزاري الأخير لحكومة التناوب الذي انعقد بمدينة مراكش برئاسة جلالة الملك مـحمد السادس، الذي طلب مقابلة كل من السي عبد الرحمن الوزير الأول، وبعده السيد ادريس جطو، وزير الداخلية.

روى لي السيد جطو: «كنت مع السي عبد الرحمان في قاعة الانتظار بالقصر الملكي، وطلبت منه كوزير أول أن يأذن لي ببضعة أيام لإجراء عملية جراحية، أصبحت جد ضرورية، خصوصا أنني تعبت بعد انتهاء الانتخابات. وكعادته، أجابني بابتسامته العريضة…
توجه السي عبد الرحمان ليستقبله جلالة الملك، وعند خروجه، كان مبتسما كالعادة، سلمت عليه وطلبت منه إذا كان بالإمكان انتظاري للعودة إلى الرباط، كباقي أعضاء

الحكومة على متن نفس الطائرة».
وأثناء استقبال الملك للسي عبد الرحمان أخبره بأنه سيعين السيد جطو وزيرا أول. التقى السي عبد الرحمان بكافة الوزراء بمطار مراكش وامتطوا الطائرة ووصلوا إلى الرباط، وودع الجميع دون أن يخبر أيا منهم باسم الوزير الأول الجديد المعين.

رجع السي عبد الرحمان إلى بيته، غير ملابسه وتوجه لحضور أمسية شعرية نظمها بيت الشعر في المغرب بقاعة ثريا السقاط بالدار البيضاء حيث ألقى كلمة كانت مبرمجة باسمه ومن موقعه كوزير أول. ثم استمع باقي الوزراء، عبر نشرة الأخبار المسائية، إلى بيان الديوان الملكي بإعفاء اليوسفي وتعيين جطو وزيرا أول.

علي أن أقول إنه أمكن لحلمي من المحاولة المتكررة المداومة أن يتحقق، وهي أحداث ووقائع وغيرها كثير، تشرح الصفات المتعارف عليها في حق الرجل، سواء في صبره، أناته، هدوئه وغيرها من الخصال التي لخصها قول المهدي بن بركة الشهير بأن «بناء الوطن معركة أقوياء النفوس». وفعلا، بمساره الثري، يعد السي عبد الرحمان أحد كبارهم.

هكذا، يرى هذا الحلم النور مع بوح السي عبد الرحمان، وقد تحقق من خلال مسار إعداد متنوع وخصب، عبر جلسات العمل التي أجريتها معه بالرباط والبيضاء وباريس وكان (بالجنوب الفرنسي).

* مبارك بودرقة (عباس)/«مقتطف من كتاب أحاديث فيما جرى»

تعليقات الزوّار (0)