اليوسفي.. رحيل فارس الجسارة

نزار عثمان (صحافي من السودان)
الأحد 31 ماي 2020
نزار عثمان
0 تعليق

AHDATH.INFO

غيب الموت أيقونة اليسار العالمي، وأبرز وجوه الحركة الوطنية المغربية، القائد التاريخي والاستثنائي الفذ لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحمن اليوسفي، بعد حياة ملؤها التضحيات ونكران الذات امتدت عقودا، تداخل فيها الواقعي بالتراجيدي والملحمي.

وكان لرحيل القائد الكبير، وقع أليم على عموم المغاربة بمكوناتهم السياسية والحقوقية والنقابية والثقافية، وعلى مختلف الشعوب الحرة في بقاع العالم المختلفة، ومن بينهم نحن الطلبة السودانيين الذين حظينا في لحظة مبهجة من تاريخ حياتنا الجامعية والمهنية في المغرب، بلقاء الفقيد الكبير والمتح من نبع جسارته وصدعه بالحق في ميادين الحقوق والسياسة والصحافة، وقد كان فارسا في ثلاثتها وعرابا كبيرا.

ويمثل رحيل اليوسفي خسارة جسيمة لا تعوض، فالرجل سليل تجربة نضالية طويلة ونادرة، صاغها بقناعة المناضل الصلب، والحقوقي المبدئي، والسياسي العفيف، والصحافي الذي يبني مواقفه على القيم والمثل والأخلاق.

تلك الخصال النادرة جعلت من الراحل العزيز شخصية مبهرة تحظى بالتقدير العالي في بلده وفي الخارج، فقد كان ضرورة تاريخية في إحدى المراحل السياسية الصعبة في المغرب، ونال طوال حياته وحتى مماته تقديرا وإجماعا نادرين هناك، وتراجعت من لدن المغاربة بشأنه؛ المواقف السياسية وتلاشت الألوان الحزبية وذابت الخلافات الآيديولوجية.

وإذ قضى معظم حياته مقاوما ضد الاستعمار ومعتقلا في سجونه، ومطاردا ومنفيا في فرنسا، ومساندا لحركات التحرر في إفريقيا والعالم العربي، ومساهما عضويا بارزا في الأممية الاشتراكية، فقد ساهم بجسارة فائقة في قيادة بلده المغرب خلال مرحلة حرجة من تاريخه (1998ـ 2002) وزيرا أول لحكومة التناوب التوافقي، وكان رقما صعبا في المعادلة السياسية وقتها، وفاعلا أساسيا في الحقلين الحزبي والوطني برموزه التاريخية التي رحلت، كالقائد المهدي بن بركة والفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم.

فائق العزاء لأسرة الراحل العزيز، ولكل الرفاق في المغرب وعموم العالم، وعزاؤنا الأبرز أن الكبار قد يغيبهم الموت، الذي هو حقيقة ماثلة في واقع الحياة وتمثلاتها المربكة، لكنهم لا يتكررون، ولا يحل مكانهم أحد.. إنهم ينزاحون إلى عفو الله في لحظة الأسف الجسيمة التي تطبع غيابهم بالخسارة المطلقة، حيث الحاجة ماسة إلى حكمتهم ورأيهم السديد..

ويقيننا أن رفاق اليوسفي وتلاميذه المخلصين في المغرب وأرجاء الدنيا، سيتمثلون رمزيته الشاهقة وصفاته النضالية النادرة، ويتنكبون مسير خطاه الشائك: إعزازا للحق والسلم الاجتماعي، وتدبرا للنزاهة ونكران الذات، التي كان الفقيد الكبير فارسا في ميادينها، وكان النموذج والمثال، وكان عراب مدرسة الأخلاق والفضيلة، والأيقونة النضالية الثابتة على الموقف والقابضة على الجمر، بقفاز الصبر والانتماء وصميم الوفاء للمبادئ الإنسانية والقيم الرفيعة.

(*)صحافي سوداني

تعليقات الزوّار (0)