حسن قرنفل: الطابع المركزي للدولة المغربية سيفاقم عليها الضغط بعد كورونا

الإثنين 22 يونيو 2020
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO- حوار عبد العالي دمياني

يرى الدكتور حسن قرنفل أن الدولة تصرفت بسرعة قياسية ووفق إمكانياتها المحدودة لكسب المعركة ضد فيروس حصد عشرات الآلاف من الأرواح عبر العالم، وأن الشعب المغربي أبان عن التزامه وإحساسه بالمسؤولية. واعتبر الباحث في علم الاجتماع، في الحوار التالي مع «الأحدث المغربية»، أن القطاع غير المهيكل شكل عبئا على المجتمع والدولة، التي فطنت أثناء الجائحة إلى ضرورة إصلاحه في أقرب الآجال، داعيا إلى إصلاح التعليم العمومي وتقنين التعليم الخصوصي، الذي أصبح يشتغل بمنطق السوق، مع التوقف عن الرهان عليه، معتبرا أن إصلاح هذا الورش يعد مدخلا لنموذج تنموي جديد، كما تكهن بأن الضغط سيكبر على الدولة المغربية بعد انزياح غمة كورونا بالنظر إلى الطابع المركزي للدولة، حيث كل القطاعات المنكوبة تنتظر منها الدعم.

  • والمغرب يستعد للخروج من فترة الحجر الصحي ما هي أهم الظواهر الاجتماعية، التي استرعت اهتمامك؟
  •  أعرف أن الظرف الحالي قد لا يسمح لنا بالحديث عن ظواهر إيجابية على اعتبار أن الجائحة كيفما كانت حدتها تخلف ضحايا وتكون لها آثار سلبية، لكن ما استوقفني حقا هو عدد من الظواهر الإيجابية، التي جسدت مفاجآت سارة. أولها هو طريقة تدبير الأزمة من قبل الدولة المغربية، ودون لجوء إلى التباهي أقول إنه كان تدبيرا حكيما جدا، وقد تجلى في السرعة القياسية، التي اتخذت فيها قرارات حاسمة جعلت المغرب يربح الكثير من الوقت ويحفظ الآلاف من أرواح المغاربة.
    المفاجأة الثانية تمثلت في استجابة عموم المغاربة وتجاوبهم الإيجابي مع الإجراءات والتدابير الاحترازية، التي أعلنت عنها السلطة. لقد كنا قبل الجائحة نحكم على المواطن المغربي بأنه يميل إلى الشغب، ويشكك في كل شيء، ويتلكأ في تطبيق القانون، غير أننا في الأسابيع الأولى من الجائحة رأينا صورة أخرى مغايرة، أبدى فيها المغاربة التزاما كبيرا وتقديرا للمخاطر وإحساسا عاليا بالمسؤولية، وهو ما يدفعنا إلى إعادة النظر في بعض اليقينيات والأحكام، التي أثبتت التجربة عدم صوابها.
    والمفاجأة الثالثة تجلت في روح التضامن والتعاون بين المغاربة، وتجلت في تقديم الدعم المالي، الذي بفضله تم إنشاء صندوق كورونا، وتوفير السيولة اللازمة لشراء الأجهزة والمواد الطبية، ودعم الآلاف من الأشخاص، الذين فقدوا عملهم ومورد رزقهم، إلى جانب مظاهر التكافل والتآزر، التي أبان عنها المغاربة في ما بينهم بأريحية.
  •  لكن الجائحة عرت أيضا عن مغرب التفاوتات الاجتماعية والمجالية وخريطة الهشاشة الاجتماعية الواسعة النطاق، التي كشفت عنها أرقام المندوبية السامية للتخطيط والمتعلقة بالنسبة الكبيرة من الأسر المرتبط معاشها بالاقتصاد غير المهيكل.. كيف السبيل إلى التقليص من هذه الفوارق؟
  • أكيد أن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب تؤشر على صعوبات ومشاكل بنيوية. ولعل هذا ما دفع الدولة إلى التحرك بسرعة عندما استشعرت حجم الخطر وتصرفت بواقعية وفق ما تتوفر عليه من إمكانيات محدودة. فعلا، كشفت الجائحة حجم التفاوتات الاجتماعية، حيث وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام مغربين، مغرب يحيا أفراده في بحبوحة من العيش، ويتجولون في عز الأزمة على متن سيارات فارهة ويتمتعون بحياتهم في ظروف مرفهة، ومغرب تعيش أغلب فئاته وطبقاته في عوز وفقر وتعاني الأمرين من أجل توفير القوت اليومي. المشكل أن الاقتصاد غير المهيكل، رغم أنه يحرم العديد من الأسر من الحماية الاجتماعية والصحية إلا أنه يوفر لها سبل العيش البسيط. لطالما تعاملت الدولة المغربية مع هذا القطاع من خلال سياسة مزدوجة، إذ كانت تتسامح في أغلب الأحيان وتغض الطرف، وتتشدد في أحيان أخرى، لكن الحقيقة التي أبانت عنها الجائحة أن الاقتصاد غير المهيكل يشكل عبئا كبيرا على الدولة والمجتمع، ولا مناص من إلحاقه بالقطاع المهيكل، فقد كشفت الأزمة الصحية الحالية أن الدولة اضطرت للتكفل بالناشطين في هذا القطاع غير المهيكل لأنها لم تجد أي جهة أخرى تتولى ذلك، عكس القطاع المهيكل، الذي تصدى من خلال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لآثار الجائحة على من فقدوا مناصب شغلهم وعوضهم بشكل آلي. لقد بينت الجائحة بالملموس أن العاملين في القطاع غير المهيكل لا وجود لهم في السجلات الإدارية والمحاسباتية، وهو ما جعلهم يواجهون مصيرهم في عزلة، ولولا التدخل الحاسم للدولة لعاشوا الأسوأ. لذلك، فمن الدروس المستخلصة من هذه الجائحة ضرورة هيكلة هذا القطاع من خلال تشجيع الهيئات الناشطة فيه والتي لها بعض المقومات على هيكلة نفسها مما سيخدم العاملين فيها وأربابها ويخدم الاقتصاد الوطني أيضا.
  • اشتغلت على ظاهرة الفقر في المغرب في آخر مؤلف لك قبل سنتين، ورصدت اتساع رقعته في المجتمع وكذا بعض آليات التصدي له، كيف يمكن تقوية هذه الآليات لتوفير الحماية الاجتماعية والصحية وصون كرامة شرائح واسعة جدا من المواطنين المغاربة؟
  • تشتغل الحكومة، على ما يبدو، على مجموعة من التدابير الخاصة بآلية دعم الفئات الفقيرة وفي وضعية هشة. وأظن أن إحداث السجل الوطني، الذي لا يقف عند الفئات الفقيرة وحدها، بل يشمل جميع المواطنين من خلال إنشاء قاعدة بيانات تهم كل فرد من ناحية الملكية والعمل والوضع الأسري والتحمل العائلي.. سيساعد على توجيه الدعم إلى مستحقيه فعلا. لقد كانت الدولة دوما تتبنى سياسات معينة لتقديم مساعدات اجتماعية، لكن هذه المساعدات كانت تمر عبر دهاليز ومسالك تجعل المستحقين لها لا يستفيدون وتذهب نسبة كبيرة منها إلى غير مستحقيها. ميزة السجل الوطني الخاص بالمواطنين أنه سيمكن من التعرف على الأشخاص الأكثر فقرا بطريقة مباشرة ودون المرور عبر شبكة الوسطاء، وبالتالي استهداف الفئات المعوزة، التي تستحق هذا الدعم فعلا.
  • كشفت الجائحة أن قطاعا حيويا مثل قطاع الصحة العمومية يجب أن يحظى بأولوية في الإصلاح والدعم، لأنه أبان عن ضرورته القصوى في هذه الظرفية الحرجة وبرهن المشتغلون فيه على أنهم في مستوى التحدي مصححين الصورة السلبية، التي التصقت بالقطاع..
  • نستغل هذه المناسبة لنوجه تحية خاصة للعاملين في القطاع الصحي وشبه الصحي، الذين عملوا مدة ثلاثة أشهر في ظروف صعبة جدا وبعيدا عن أهلهم لمعالجة المرضى وتقديم الدعم الضروري لهم في إنكار تام للذات. فعلا، أبان الجسم الصحي، رغم كل الانتقادات التي كانت توجه إليه، أنه يملك ما يكفي من الروح الوطنية للانخراط في تطبيب فئات واسعة من الشعب كما تجلى ذلك خلال الجائحة. القطاع الصحي حيوي، لكنه في المغرب يشكو من نقص كبير في عدد الأطر الطبية والمستشفيات ومن سوء في توزيعهما، إذ تستفرد جهات المحور والمركز بنصيب الأسد، فيما تعاني باقي المناطق من خصاص كبير في المؤسسات الصحية والأطر الطبية، وقد آن الأوان لتجاوز هذا الاختلال المجالي، الذي فضحته الجائحة، وكشفت أننا مازلنا نعيش على التقسيم القديم بين المغرب النافع والمغرب غير النافع.
  • ألا ينسحب على التعليم العمومي أيضا نفس الحكم، مادامت الجائحة أظهرت ضرورة إصلاحه وتأهيله، وأنه لا يمكن التفريط فيه والرهان على التعليم الخصوصي..؟
  • هناك قرارات حاسمة تهم مستقبل هذا القطاع اتخذت في ظروف غير مناسبة. لقد تم تشجيع التعليم الخصوصي في الثمانينيات والتسعينيات في إطار إملاءات صندوق النقد الدولي، الذي حث الحكومات على التقليص من نفقات القطاعات العمومية، وجعل المواطن المغربي يتحمل كلفة التطبيب والتعليم، وقد انخرطت جل الحكومات في هذا المنحى حتى بعد دخول الألفية الجديدة وتراجع خبراء صندوق النقد الدولي عن هذه الرؤية بعدما تبينت النتائج الكارثية، التي تمخضت عنها.
    المغرب شجع التعليم الخصوصي بشكل كبير على مدى عقود في مقابل تدهور عطاء التعليم العمومي. والنتيجة اليوم هي أن ما يقرب من 40 في المائة من التمدرس في المدن الكبرى هو تمدرس خصوصي، مع العلم أن أغلبية الأسر تتجشم عناء كبيرا في تدريس أبنائها. الأمر ينم عن خلل ولا يتناسب وواقع الحال في المغرب، لأن التعليم العمومي في بلدنا لا تعوزه البنيات التحتية، فهي متوفرة بشكل كبير، كما أن خيرة الكفاءات والأطر التربوية والتعليمية توجد في القطاع العمومي، غير أنها تفتقر إلى التشجيع والتحفيز وهو ربما ما يجعل عطاءها لا يرقى إلى المستوى المطلوب. لقد حان الوقت للتعامل مع التعليم الخصوصي بنظرة جديدة لا يحكمها منطق السوق، إذ يجب عدم اعتبار التعليم قطاعا إنتاجيا كباقي قطاعات الإنتاج الأخرى، وينبغي في هذا الإطار مواكبته قانونيا وتنظيميا مراعاة للأسر، التي تفضل تدريس أبنائها في هذا النوع من التعليم.
  • ألا ترى أن إصلاح التعليم العمومي والحد من تغول التعليم الخصوصي يرتبط عضويا بأي نموذج تنموي جديد يروم التقليص من الفوارق الطبقية والمجالية على اعتبار أن واقع الحال التعليمي اليوم يعيد إنتاج هذه التفاوتات؟
  • فعلا، لذلك على العاملين على صياغة النموذج التنموي الجديد إيلاء مسألة المساواة بين المغاربة جميعا الاهتمام الأكبر في كل المجالات وفي قطاعات الخدمات العمومية من صحة وتعليم... لقد شكلت المدرسة بعد الاستقلال بقليل مصعدا اجتماعيا بالنسبة للفئات الفقيرة، التي كانت تشكل وقتذاك أكثر من 80 في المائة من المجتمع المغربي. وقد لعبت المدرسة المغربية دورا كبيرا في تخريج الكفاءات والأطر في مختلف المجالات حيث كان التعليم قاطرة فعلا، أما اليوم فنحن نلاحظ تعليما يسير بسرعتين متفاوتتين، عمومي وخصوصي، ونجد أن قلة قليلة من أبناء الفقراء تجاري سرعة التعليم الخصوصي، خصوصا في المستويات المتقدمة، لأن متطلبات الدراسة لم تعد كما كانت عليه في السابق، والحصول على أعلى المعدلات لم يعد مقتصرا على الدرس في المدرسة وإنما يعتمد على الدروس الخصوصية ودروس الدعم والتقوية، وهو ما يكرس التفاوت الطبقي، حيث لا يقدر على مواكبة هذه الدروس سوى الأسر الميسورة، التي تستطيع توفير كل الشروط المادية والنفسية الملائمة لأبنائها حتى يلجوا المعاهد والمدارس العليا. مع هذا النوع من التعليم الخصوصي لم يعد هنالك تكافؤ للفرص، وهو ما أفقد عددا كبيرا من الأسر المغربية الثقة في التعليم بعدما لم يعد أداة لتحقيق أحلامهم في الترقي الاجتماعي. لا بد من الإشارة أيضا إلى الفجوة الرقمية، التي كشفت عنها الجائحة مع اعتماد التعليم عن بعد، إذ تبين أن الأسر الفقيرة والمهمشة وكذا الجهات الواقعة في نطاق المغرب غير النافع لا تتوفر على الإمكانيات التكنولوجية واللوجستيكية لمتابعة هذا النوع من التعليم.
  • يسود الحديث عن سيناريوهات قاتمة لما بعد انقشاع غمة هذه الجائحة. كيف تنظر إلى الغد في ظل إكراهات الاقتصاد المغربي والخسائر التي أصابت العديد من قطاعاته الحيوية؟
  • بالنظر إلى مركزية الدولة المغربية، حيث يلجأ إليها الجميع وقت الملمات، فإني أتوقع أن الضغط سيكون مضاعفا عليها من أجل إيجاد حلول للمشاكل الكثيرة، التي ستظهر بعد الجائحة. هناك اليوم قطاعات كثيرة تنتظر الدعم من الحكومة. هذه الضغوط ستحمل الحكومة على مباشرة إصلاح الاقتصاد غير المهيكل بعدما تبين عبؤه الكبير على الدولة، كما أن بعض القطاعات المنكوبة ستحظى بالأولوية مثلما هو حال القطاع السياحي، الذي يعتمد عليه المغرب كثيرا في تنمية خزينته، غير أن الثابت في كل هذا هو أن هناك انتظارات كبيرة من لدن المواطنين والمؤسسات يقابلها تقلص كبير على مستوى موارد الدولة.

تعليقات الزوّار (0)