رغم ضعف الإقبال.. الجديدة فضاء لحظات الاستمتاع "المسروقة" في صيف كورونا

تبقى اللحظات "المسروقة" للاستجمام تغري أبناء الجديدة وزوارها، رغم الخوف من الفيروس، الذي لا يتكلمون عنه إلا وتلهج ألسنتهم بالدعاء القائل: "الله يرفع علينا هذا الوباء"... وفي انتظار تلبية المولى للدعاء، ستظل مدينة الجديدة ذاك الفضاء الذي يفتح ذراعيه للزوار العاشقين للبساطة و"الرخاء"...

شاطئ الجديدة في صيف كورونا شاطئ الجديدة في صيف كورونا
الجمعة 21 غشت 2020
رشيد قبول
0 تعليق
Ahdath.info
كانت لفحات الحر تتلقى كل من يغادر الطريق الممتدة على مسافة تقارب العشرة كلمترات، فبمجرد أن تُهديه هاته الطريق إلى المدخل الذي يلتقي عنده الأطوروت بالطريق الوطنية، يوقن بأن الفصل صيف، بحق وحقيقة، لأن نسمات الهواء العليل التي كانت تبثها الأشجار المتراصة على طول امتداد الطريق بين آزمور والجديدة مرورا بمنتجع "مازاغان" وحدائق "الكولف"، قد أتت على أداء مهمتها، بعد أن حفت زوار المدينة على امتداد كلمترات...
هي ذي أجواء الطريق إلى الجديدة صيفا.. لكن زيارة المدينة في صيف هذه السنة، كان يوحي بأن أشياء عديدة تغيرت.

كورونا تساهم في ضعف الإقبال 
"امتلأت مدينة الجديدة عن آخرها مثلما اكتظت كل وسائل إيوائها فلم يعد يوجد بيت واحد للمبيت... لا يكاد يحل هذا الفصل حتى ترى أهل مراكش والدار البيضاء وسطات وخريبكة واليوسفية... يحزمون حقائبهم إلى مدينة الجديدة إلى حيث الشواطئ والهواء المنعش، فتبدو الطريق إلى الشاطئ أقرب إلى موسم للهجرة.. مئات الأسر المغربية من مختلف الطبقات متوسطة الدخل والكادحة والميسورة، وحتى الطلبة والتلاميذ يفدون ضيوفا على أقاربهم، حيث يتخذ الجميع من شاطئ الجديدة ملاذهم الصيفي، ليتشكل امتداد بشري هائل هو أقرب لنزوح شبه جماعي يتكرر كل سنة..."، هكذا وصف أحد الروبورتاجات السابقة صيف الجديدة الذي كان...!!! والذي غابت عنه الكثير من أجوائه صيف هذه السنة..
مصطافون يقتنصن لحظات استمتاع "مسروقة" في زمن كورونا
مصطافون يقتنصون لحظات استمتاع "مسروقة" في زمن كورونا
وعلى عكس السنوات الفارطة، عندما كانت المفاتيح المتلاعبة بين أيدي أشخاص من مختلف الأعمار، مشهدا مألوفا يؤثث مدخل الجديدة، حيث كان حاملوها يتوزعون على مسافات متقاربة أو يجتمعون، أحيانا، واحدا إلى جنب الآخر، يتجاذبون أطراف الحديث الذي لا ينهونه إلا عندما تترآى لهم السيارات التي تقطع المسافات باتجاه وسط المدينة، حيث يهبون لعرض خدماتهم في المساعدة في إيجاد مستقر لقضاء أيام أو أسابيع في عاصمة دكالة من أجل الاستمتاع بمياه شواطئها، سواء القريبة أو البعيدة، لكن خلال الزيارة التي قادتنا يوم الخميس الماضي إلى هاته المدينة، كان علينا أن نسير لمئات الأمتار قبل أن نصادف أول عارض لخدمة كراء شقة مفروشة للاصطياف.
لأن "صيف كورونا" ليس كباقي الصيوف الماضية، فقد ظهرت الحركة قليلة، حتى على مستوى عرض خدمات إيجاد مساكن لضيوف المدينة.
واقع قال عنه أحد سكان الجديدة، ممن لم يمنعهم الفيروس الذي تكاثرت حالات الإصابة به، خلال الأسابيع الأخيرة، من معانقة شاطئ البحر في يوم كانت لفحات الشمس تبسط فيه سطوتها على المكان، ما جعل مياه البحر ملاذا، للأجساد التواقة لانتعاشة سباحة وسط الأمواج.. حيث اختار أن يستهل حديثه بعبارة إن "واقع الحال يغني عن السؤال"، معتبرا أن "رواج هذا الصيف استثنائي"، واصفا إياه بأنها "لحظات مسروقة" للاستمتاع بالعطلة رغم الرهبة التي تخلفها أخبار كورونا في النفوس".
باستثناء عطلة نهاية الأسبوع يكون الإقبال ضعيفا
باستثناء عطلة نهاية الأسبوع يكون الإقبال ضعيفا
أما أحد "سماسرة" الشقق فقد اختار التعبير عن صيف كورونا بمدينة الجديدة بعبارة مختصرة، مفضلا عدم الإطالة في الحديث، حين قال "الحركة عيانة"، وعند سؤاله من جديد عن السبب، لم يزد في رده على أن ينبس بكلمات معدودة فقط... قال فيها: "ما كاين ما يدار"...
ولعله كان يقصد بعبارته الأخيرة ضعف الإقبال على كراء الشقق أو الغرف التي يعرضها بعد أن تسلم المفاتيح من أصحابها، بسبب قلة الرواج، لذلك كانت نبرات الحسرة بادية عليه لأن "موسم الصيف بالنسبة لهاته الفئة، هو مناسبة عمل موسمي لتوفير مبالغ مالية تعينهم وغنيهم عن البحث عن العمل في الأشهر القليلة التي تتلو "موسم البحر" كما يحلو لهم وصفه...
لكن اختلفت الأوضاع خلال صيف العام العشرين بعد الألفية الثانية، حيث صرح "عبد الله" وهو أحد الإعلاميين بمدينة الجديدة أن "تأثير كورونا على الحركة السياحية بالمدينة يبدو جليا"، خاصة بالنسبة "لحجم الرواج سواء التجاري أو المروري الذي كانت تعرفه عاصمة دكالة خلال هذه الفترة من السنة"، حيث "تكتظ المطاعم والمقاهي، ويرتفع الإقبال على جميع المحلات التجارية، ومختلف أصناف السلع التي تعرضها"، وهي المناسبة التي "يستفيد فيها بعض أصحاب الشقق من مداخيل كرائها"، لكن هذه السنة - يضيف المصدر ذاته - "وحدها عُطَلُ نهاية الأسبوع التي تجعل المدينة تشهد بعض الرواج".
الموون.. ملاذ الجديديين في صيف كورونا
مرفأ الميناء في حلته الجديدة تحول إلى قبلة لمصطافين من مختلف الأعمار
مرفأ الميناء في حلته الجديدة تحول إلى قبلة لمصطافين من مختلف الأعمار
حركة دؤوبة لا تعترف بالحواجز ولا تقف عند متاريس.. وحده إغراء المياه الزرقاء الهادئة يجذب أصحابها، ويجعلهم يتحدون الصعاب، لبلوغ الهدف المنشود..
يطلقون عليه "الموون"، ولا يتيهون عنه عندما يقصدونه جماعات وأفرادا، فأسر بأكملها تقصد هذا المكان بحثا عن انتعاشة في أيام الصيف الحارقة.
على جانب من مرفإ ميناء مدينة الجديدة وبين أحجاره الكبيرة تَشكل كحوض لرسو بعض المراكب، سواء الرياضية المُنطلقة من النادي البحري أو المخصصة للصيد التي تمخر عباب الموج بحثا عما يجود به بحر المدينة من خيرات، تتكون من أسماك مختلفة ومتنوعة.
وبعيدا عن أدواره الأساسية تحول جانب من المرفإ إلى "مسبح عمومي" لمن لا يستطيعون إلى بلوغ المسابح سبيلا، لانعدامها بالمدينة، وكذا لإغلاق الخاصة منها درءا لتفشي الفيروس...
ب "الموون" سابح عامة، بمياه البحر، فيها يجد الكثير من سكان مدينة الجديدة وزوارها ضالتهم، يعومون بكل راحة، ويأخذون فترات للراحة والاستمتاع بأشعة الشمس، في شهر غشت صيف كورونا.
عادة ما تكون هذه المناطق من كل ميناء ملاذا لأعمار محددة من المصطافين، يكونون في الغالب من الشباب أو الأطفال.. لكن "موون" ميناء الجديدة في صيغته الحالية غدا ملاذا للكبار والصغار.. مصطافون من مختلف الأعمار أطفال، يافعون، شباب، كهول وحتى شيوخ اعترى الشيب منهم شعر الرؤوس والصدور، ووحدها غواية العوم في المياه الهادئة ذات الأعماق الممتدة تجعلهم يلجؤون إلى مياه "المون"..
كانت ساعة آذان الظهر قد أزفت عندما وصلنا إلى "مون الجديدة"، حان موعد الصلاة، فاعتلى المصطافون "الكبار" سور المون لأداء الصلاة جماعة، بعد غطوا الأجساد العارية المستعدة للعوم ب "فوقيات" حملوها معهم، كي لا يتأخرون في أداء الواجب الديني الذي لا تلهيهم عنه فترات الاستجمام في شهر غشت.
لم يعد "موون" الجديدة ذلك المكان "الموحش" الذي لا يأوي إليه غير قليلين، بل صار مكانا مفضلا لأسر بأكملها تمارس فيه طقوس الغطس والسباحة، وكأنها تأوي إلى مسابح خاصة...
"أنا لست ابن المدينة، ولكن إغراء الجديدة وبحرها سكنني"، هكذا اختار أحد الأشخاص أن يعبر عن غرامه وعشقه لشاطئ الجديدة، هو الذي سكن الجديدة وسكنته، فمنذ ثلاثة عقود استقر هذا البنكي السابق بمدينة الجديدة، التي أكمل بها مشواره المهني، وبعد التقاعد لم يشأ عنها بديلا.
وفي فترة كل صيف يقصد رفقة أبنائه "المون" ليمارس طقوس عومه.. هنا يتخلى هذا الستيني عن ثيابه التي يضعها جانبا، ليرتدي "بوني" الرأس، يضعه في كل لحظة سباحة، واضعا - على خلاف غيره من قاصدي "المون" - نظرات السباحة، وعند حديثه عن مزايا هذا الفضاء من الشاطئ، لا يفتأ يؤكد أنه "مكان للراحة"، به "يتعلم الصغار العوم تحت أنظار الأبوين، حينا، أو رفقة الإخوة الكبار أحيانا أخرى"..
المون وجهة للاستمتاع والسباحة
المون وجهة للاستمتاع والسباحة
 هنا في هذا الحيز من الشاطئ كانت الحركة تتضاعف كلما ازدادت موجة الحرارة ارتفاعا، فحتى النساء يلجأن إليهن، فتغطس في مياهه من تمكنت من تعلم البقاء على سطح الماء بحركات عوم تعلمتها في مراحل الصبا أو الشباب، ومن لا تستطيع العوم تتولى مهمة متابعة الأبناء وحراستهن، مفضلات استمرار الاقتراب من فلذات الكبد ومتابعة مرحهن الصيفي.
ليس "الموون" فضاء للعوم الحر والغطس من علو يفوق العشرة أمتار، لشباب ذكورا وإناثا، وإنما هو فرصة لتعلم السباحة.
فحسب ما صرح به أحد الأشخاص ممن يتولون"كراء" بعض المعدات التي تساعد الأطفال على العوم وتعلم تقنيات البقاء على سطح الماء، فإن "السباحة في هذا الجزء من ميناء الجديدة فرصة سانحة قد لا تتأتى للكثير ممن لا يعرفون هذا الجزء من الشاطئ، أو لا يلجونه". فقد صار "الفضاء الجزء المفضل للراغبين في اقتناص لحظات عوم في مياه هادئة وعميقة"، وحتى من لا يجيدون السباحة، فقد تكون المناسبة متاحة للتعلم تحت حراسة أعين الكبار ممن يجيدون العوم في مكان ألفوه وألفهم.
هكذا تبقى اللحظات "المسروقة" للاستجمام تغري أبناء الجديدة وزوارها، رغم الخوف من الفيروس، الذي لا يتكلمون عنه إلا وتلهج ألسنتهم بالدعاء القائل: "الله يرفع علينا هذا الوباء"... وفي انتظار تلبية المولى للدعاء، ستظل مدينة الجديدة ذاك الفضاء الذي يفتح ذراعيه للزوار العاشقين للبساطة و"الرخاء"...

تعليقات الزوّار (0)