لغزيوي يكتب: هذا الاختلاف الذي يفسد بيننا للود كل القضايا…!

الأربعاء 16 دجنبر 2020
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

بقلم: المختار لغزيوي

يمكن بكل سهولة، أن يخرج من بيننا من يقول لنا ساعة نشرع حقا في إقامة علاقات كاملة مع الدولة العبرية: « أنا أرفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو السماع عن السلام معها لأنها فعلت في الفلسطينيين الأفاعيل »، ويمكن أن يغني هذا الرافض « مش هنسلم مش هنبيع مش هنوافق عالتطبيع » مثلما غناها الزعيم عادل إمام، دون أن نقول لمن يقول هذا الكلام إنه إنسان غير وطني ولايحب المغرب،ولايدافع عن مصالح المغرب…

ويمكن أيضا أن يخرج من بيننا من يقول، ساعة نشرع فعلا في إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل « أنا مقتنع تمام الاقتناع بأن للمغرب دورا هاما وذكيا في عملية السلام، وفي تقريب وجهات النظر بين الفلسطيني والإسرائيلي مما يحتم عليه إقامة علاقة ما حقا مع إسرائيل » دون أن نقول له إنه خائن،ومتصهين، ومهرول باع القضية وهو السبب في ضياع فلسطين، والعراق وسوريا والهلال الخصيب كله،وضياع كل الأحلام العربية قبل كل هذا.

يمكننا أن نفعل ذلك حقا، ويمكننا أن نعيش ذلك بسلاسة وهدوء وببساطة، فقط لو توفر لنا شرط أساسي ورئيسي وهام هو غير متوفر - للأسف الشديد - لحد الآن، هو شرط إتقان الحوار، هو شرط معرفة كيفية الإنصات لبعضنا البعض، هو شرط تعلم طريقة قبول وتقبل الاختلاف.

لا نمتلك هاته الفضيلة، ولم يعلمونا في منازلنا كيفية إلقاء القبض عليها، ونسيت مدارسنا وثانوياتنا والجامعات والمعاهد هذا الأمر أو تناسته، والنتيجة هي مانراه أمامنا في كل قضايانا وليس في هاته القضية لوحدها…

لا نستطيع تحمل سماع رأي واحد مخالف في أي موضوع من المواضيع.

لا يمكننا - ولو على سبيل الخيال العلمي - أصلا أن نتصور أن هناك أناسا على وجه البسيطة، يمتلكون آراء أخرى لا تروقنا، تعارضنا، تختلف معنا، ولا نتخيل أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع هاته الآراء المخالفة هي أن نقارع فيها الرأي بالرأي، أن نواجهها بالحجة، مع التسلح بأدبيات الاختلاف كلها، ومع الحفاظ لتلك الآراء على حقها في أن تتبنى  ذلك الموقف أو تلك المواقف التي لاتروقنا..

من أين أتى الخلل؟

أتى من تربية غير سوية - يجب الاعتراف بذلك - أقنعتنا جميعا منذ البدء أن الآراء التي نعتنقها عن علم أو عن جهل - هذا موضوع آخر - هي يقينيات لا يمسها شك، هي بمثابة بديهيات لا تتقبل أن يأتي في آخر العمر أو وسطه أو أوله أناس لكي يطرحوا حولها الأسئلة..

السؤال في هذا المكان محرم شرعا وعرفا ومجتمعا. لا يجوز، لا يليق، غير ممكن.

قالت الجماعة كذا، قل ماقالته الجماعة، والسلام.  وإلا فإنك شيطان خارج على قرارها.

قالت القبيلة « كذا ». ردد ماقالت القبيلة لكي ترتاح وإلا سبك الجميع…

تقول للمحيطين بك إن العالم يتغير، وإن الناس راجعت أفكارا وقناعات أسستها على امتداد عقود، بعد أن ثبت لها أن هناك كوة مراجعة قد فتحت في عقلها، ولا تطالب بمراجعة أي شعار ، بل فقط تطالب بحق من يريد المراجعة أن يقوم بذلك، فتأتي هبة السباب والشتم الهادرة  من كل مكان..

وحقيقة يجب أن نعترف لأنفسنا بالصدارة في هاته: نحن القوم الذي نحل كل اختلافاتنا بسب بعضنا البعض والذهاب غاضبين للنوم، على أمل أن نستفيق في اليوم الموالي، فنجد من شتمناهم وقد غيروا رأيهم والتحقوا بنا وبأفكارنا ليس لأننا أقنعناهم، بل بفضل شتائم الأمس القريب، ولأنهم قرروا أنهم نالوا نصيبهم من التقريع، فقرروا الصمت وكفى لئلا ينالوا المزيد.

وعندما نتأكد أن السب والشتم قد أديا إلى عكس المراد منهما، أي إلى دفع من شتمته إلى شتمك هو الآخر، نعود إلى قاموس الألفاظ السيئة ومصلحات التخوين لكي نستل منها الإضافات القادرة على إقناعنا أننا ننتصر في معارك النقاش فعلا بشتم كل المخالفين.

حتى برلمانيونا يوم الإثنين الماضي كانوا مثل مرتادي صفحات مواقع تواصلنا الاجتماعي، غير قادرين على التحكم في كلماتهم، غير مستطيعين لتقديم درس - وهم النخبة، ياحسرة على العباد - في كيفية سماع رأي لا يروقك، والرد عليه بهدوء دون أن تجرك حمية الجاهلية إلى رفع الجلسة، بعد أن فقدت الكلمات عقالها، ولم يعد أحد قادرا على التحكم في أعصابه وفي أعصاب عقله، وفي أعصاب لسانه مما رآه الناس بالمباشر أمامهم، واقتنعوا مجددا بأن المصيبة عامة لكنها لا تهون رغم هذا التأميم المفروض علينا جميعا.

ما الحل أيها الإخوة أيتها الأخوات؟

لا حل سحري، ولا يد تمتد من حيث لا ندري لكي تغير العقليات، ولكي تقنعها بأن الاختلاف لايفسد للود قضية، وأن القبول الحقيقي بالحرية والإيمان بها هو الذي يجعلك قادرا على الإنصات لأصوات من يخالفونك الرأي، دون أن تسبهم، لا أن تكتفي بالمونولوغات مع من يقولون لك ماتريد الإنصات إليه.

ليس هناك حل سحري. هناك بالمقابل حلول اهتدى إليها قوم قبلنا يحاولون اليوم تدبير اختلافاتهم بأكبر قدر ممكن من العقل، تبدأ بالقراءة والاطلاع كثيرا على كل شيء لأجل تكوين تصور يقترب شيئا ما من الكمال، وتمر من تمرين الأذن والعقل على الاستماع لما يخلخل يقينياتهما لا العكس، وتصل إلى حدود القدرة على الجلوس مبتسما مع مخالفك الرأي، وإتاحة الفرصة له لكي يتحدث مثلما شاء عن تصوراته وآرائه واقتناعاته، دون أن تقاطعه، دون أن تخونه، دون أن تسب أي أحد من أفراد أسرته غير الموجودين معكم على الطاولة، وبعد أن ينتهي تشرع أنت في بسط وجهة نظرك المعارضة له، وتنتظر بالمقابل منه المثل : أن ينصت إليك، ألا يسبك وألا يشتم أي فرد من سلالتك، وأن يقول لك في الختام مثلما تقول أنت « هذا رأيك وهو خطأ بالنسبة لي يحتمل الصواب، وهذا رأيي وهو بالنسبة لي صواب يحتمل الخطأ، والله أعلم في الحالتين معا ».

تصافحان بعضيكما، وتفرنقعان…فقط لاغير..

هل هو أمر صعب ومستحيل إلى هذا الدرجة أيها الشتامون لبعضهم البعض في كل المناسبات؟

تعليقات الزوّار (0)