سعيد نافع يكتب : بهو الجمال

الخميس 17 دجنبر 2020
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

 

وضعت الصورة المعدلة أضلاعها لتلائم الشكل الهندسي، غير المتناسق، المتبقي من الواقي الخارجي للمدخنة الخامدة وسط الركح الصغير، الذي يتوسط علية ‘‘السينترا‘‘، كتذكير لكل من سولت له نفسه أن يعتقد أن صاحب العود تحت الصورة القديمة لا يعدو كونه ‘‘لقايجي ديال الليل‘‘.. لقد وضعت هناك بعناية لتنبه كل غافل بمن يكون : سي حسن.

في الصورة يقف سي حسن ذاعنا في احترام للنهر الخالد محمد عبد الوهاب الذي ينظر كعادته بعيدا غير عابئ بالحوادث. في موجة هجرة الفنانين المغاربة لمصر ستينيات القرن الماضي، جرب سي حسن الانتقال لعاصمة الفن العربي بحثا عن مجد موسيقي يصل صداه للمغرب. أمضى في بيت عبد الوهاب وقتا قليلا، وسبعة أيام في بيت فريد الأطرش. كان يردد دائما أن عبد الوهاب أعلى فنيا من فريد، لكن إنسانيا فريد ‘‘كريم بحجم السماء‘‘. كانت الصورة هناك فوق مدخنة السينترا، لتذكر الجميع بسي حسن الذي صقل من معدن الفن الرفيع.

كان صوته الدافئ والشجي يحتوي المكان بشخوصه وديكوره وأضواءه وأدخنته. تصعد الدرج من الطابق الأرضي للسينترا باتجاه الطابق العلوي حيث محرابه، لتسكن في روحك نقرة العود المبهجة وهي تختال بكبرياء العازف الواثق. يستحيل المكان العلي إلى صوت كبير يحتضن الجميع. كان آخر درج قبل الولوج رحلة سرمدية إلى عالم آخر.. عالم  الجمال. تصاب بكل متلازمات السعادة الطافحة وأنت تنتهي إلى المحراب حيث صوت سي حسن يصدح برائعة صابر الصفح : ‘‘مررت بالبحر‘‘.. في أولى متع ليل طويل سيأخذك مباشرة إلى المعنى الحرفي للألق.

كان يحيي الوافدين الجدد على امتداد آناء الليل بانحناءة مقتضبة برأسه وابتسامة طارئة. كان يعرفهم واحدا واحدا. على امتداد ثلاثة عقود كاملة، اجتمع في بهو الجمال هناك مريدون للسي حسن من مختلف الأعمار والشرائح المهنية والاجتماعية.. شعراء.. فنانون.. مطربون، كانوا يحجون للمكان قبل الانتقال إلى فضاءات ليل أخرى لتأدية ‘‘نمرهم‘‘ المؤدى عنها، والعودة مجددا في بطن الليل العميق لتسليم الروح لارتقاءات الفن البهيج.

كلما تقدم الليل كانت تزداد أعداد المريدين . يبحث الجميع عن أقرب مكان لركح سي حسن، ثم ينتهي البحث بتحول الكتلة البشرية الحاضرة إلى سديم آدمي يتمايل على أنغام روائع الروائع. يتداخل الواقفون على الكونتوار مع الجالسين في الموائد القريبة مع المصطفين في الكنبة الجانبية. ينسجم صوت سي حسن مع صوتهم الموحد في تناغم كامل وهم يرددون معه :

آآآآه... آآآه... آه على سرك الرهيب

وموجك التائه الغريب

يا نيل يا ساحر الوجود

أغلق مطلع العام 2015 نهاية قوس السعادة الجميل هذا. لم يعد سي حسن لمحراب الجمال بعد توقف روتيني للسينترا. انتثر المريدون في فضاءات الليل ولم يجدوا إلى اليوم سلواهم. في أماكن ليل أخرى سيقوا قسرا إليها بغياب سي حسن، يتبادلون نظرات بألف معنى عندما تلتقي أعينهم وهي تدعي سعادة كاذبة. عندما تسنح الفرصة يستقصون أخباره دون كثير أمل في عودته، وثم يدفنون أفراحهم عمدا في توابيت شجون الذكريات العديدة.

مساك الله بالخير سي حسن أينما كنت. لعلك بصحة جيدة.

تعليقات الزوّار (0)