سعيد نافع يكتب : كنوز بلاد السندباد

الخميس 17 دجنبر 2020
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

أقنعنا ‘‘حميدة لشهب‘‘ زعيم عصابة سنوات المراهقة الأولى بأن سندباد بطل سلسلة الرسوم المتحركة التي كانت تتحفنا بها التلفزة المغربية في زمن بعيد، يعيش في سلطنة عمان لسببين لا يجمعهما أي رابط منطقي. السبب الأول لأنه كان أطولنا قامة وأضخمنا جثة وعضلات وكان عليك أن تفكر مرتين قبل أن تناقشه، والسبب الثاني لأن شقيقه الأكبر، عبد الرحمان، كان يتابع دراساته العليا في سلطة عمان، فارتأينا أن نوافق قسرا على سرديته في باب السندباد، درءا لكل إشكال قد ينغص علينا إشراقات يوم طفولي جميل.

ولأن عبد الرحمان غاب طويلا في بلاد السندباد (سلطنة عمان) فقد شغل خبر قرب عودته إلى الدرب أحاديث الناس وتحول إلى موضوع الساعة. انبرى ‘‘حميدة لشهب‘‘ لنا جميعا، نحن الذين كنا نزهو بالانتماء لعصابته الصغيرة، وطفق يسرد علينا حكايات كنوز هذه البلاد البعيدة، بأسلوب نجح فيه في الجمع بين الحقيقة والخيال. ومزهوا بإنجازات شقيقه عبد الرحمان الأكاديمية، روى ‘‘حميدة لشهب‘‘ باستفاضة دافقة أعاجيب الهدايا  التي جمعها شقيقه في البلاد التي يعثر فيها الكنوز في أي مكان، ونحن نحدق فيه بأعيننا المتسائلة، مجاهدين بصدق في تقبل هذا الكم الهائل من السرد الأخاذ.

اقترب موعد عودة عبد الرحمان‘وصرنا مرابطين مع ‘‘حميدة لشهب‘‘ أمام بيت عائلته في انتظار أخبار جديدة. في تلك الحقبة الزمنية لم تكن الاتصالات قد بلغت ما بلغته اليوم، لذلك كان ظهور الوالد، الحاج هاشمي، في الحي متدثرا في جلبابه الأبيض الأنيق وعمامته الصفراء، مثار اهتمام الكل لأنه كان مصدر الأخبار القادمة من سلطنة عمان عبر الهاتف الثابت.

ثم جاءت البشارة. ‘‘سيحل عبد الرحمان بيننا في سبعة أيام‘‘ قال الحاج الهاشمي في جمع من الكبار اندسسنا بينهم ، قبل أن يختم في خيلاء واضحة ‘‘عبد الرحمان سيبعث بستة طرود كبيرة في رحلة أولى بعد ثلاثة أيام، على أن يصل للمغرب ومعه حقائبه الخاصة في الرحلة الموالية‘‘. أصبحت الطرود الستة مخيالنا المشترك الذي يغذيه‘‘حميدة لشهب‘‘ في كل مناسبة برؤى متفاقمة من الخير العميم الذي سيغطي العائلة والدرب، وتحول عبد الرحمان إلى سندبادنا المشترك الذي يعدنا ‘‘دون علم منه‘‘ بكنوز تحفل بما لم يخطر ببال. لذلك ضرب ‘‘حميدة لشهب‘‘ لنا موعدا في صبيحة اليوم الثالث بالحضور أمام البيت عند فتح الطرود، متوعدا المتخلفين من بيننا بعظائم الأمور.

بعد ثلاثة أيام كنا نقف إلى جانب باب بيت ‘‘حميدة لشهب‘‘ في صف ممتد من المراهقين واليافعين. وصلت الطرود الستة على متن شاحنة نقل يابانية بنصف خلفي غير مغطى. اشرأبت الأعناق من الأسطح والنوافذ ومداخل الزقاق تتطلع لاستكشاف ما تحمله تلك الصناديق الكرتونية الكبيرة. بين الفينة والأخرى كان ‘‘حميدة لشهب‘‘ يعطي لوجودنا معنى بالمناداة على بعض منا لمساعدته في إنزال صندوق من الشاحنة. تعمد الحاج الهاشمي إبقاء الصناديق عند مدخل الباب لتكون على مرأى من الجميع عند فتحها.. في ثقة زائدة.

التمعت شرارة طارئة داخل عين الحاج الهاشمي كبرق زيوس في علياء الأولمب عندما يغضب، حين فتح الصندوق الأول ولم يجد فيه سوى كتب قديمة. مسح بطرف عينه ردة فعل الحاضرين والفضوليين بسرعة وعاد لرسم ابتسامة فاترة في ركن شفتيه. لاشيء سوى الكتب.. في الصندوق الثاني.. ثم الثالث.. ثم الرابع.. ثم الخامس.. اختفت الابتسامة نهائيا بعد فتح الصندوق الأخير. نمت وشوشات بين الحضور لا تخلو من بدايات تهكم صريح. استدرك الحاج الهاشمي مخفيا خيبته وهو يخاطبنا جميعا : ‘‘يالله فرتكو عليا هاد جقلة.. لي عندو شي حاجة يمشي يقضيها‘‘.

أمضى ‘‘حميدة لشهب‘‘ سنوات طويلة وهو يحاول التخلص من الكوميديا التي انتشرت في الدرب نكاية به، وانتقاما من سطوته على أقرانه. أصبح حضوره مدعاة لسخرية لاذعة تنتهي دائما بشجارات كبيرة بمجرد أن يسمع من أحدهم :

وا فين ا سندباد ؟

استغرق الزمن انسيابات كاملة قبل أن يستوعب ‘‘حميدة لشهب‘‘ أن تلك الكتب كانت فعلا كنز بلاد السندباد.

تعليقات الزوّار (0)