سعيد نافع يكتب : ‘‘لكتاتبي‘‘

الجمعة 25 دجنبر 2020
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

رسب عبد العالي في باكالوريا زمن السبعينيات ‘‘الصعبة‘‘ مرارا لدرجة أنه  صار يخجل من العد، لكنه بالمقابل اكتسب شهرة في كتابة الرسائل تحت الطلب. كان خطه جميلا أنيقا، وعباراته المطنبة لقيت استحسان الجميع. برع في الرسائل العربية كما في الرسائل الفرنسية، ونوع أشكال خطابه من الرسميات إلى الغراميات، فكان ملاذا للكثير من الحائرين والأميين وذوي المستويات الدراسية المحدودة، ممن لم يجدوا لصنعة الحرف سبيلا.

منع عنه وصف الاسترزاق وكان لا يجد حرجا في مجابهة من يتهمه بالقول دائما ‘‘رزقي فستيلو ديالي.. وناس لي كتطلبني‘‘. صبيحة كل أحد، كان عبد العالي يخرج في الناس مرتديا أنظف ما يخبئه في دولاب الملابس في باقي الأيام. كان يعتبره يوم عمل.. وبهذا المنطق يتعامل مع صفوف المنتظرين في الحي. يوم الأحد كان يعرف إنزالا خاصا من القادمين من مختلف مناطق المدينة الكبيرة إلى زنقة ‘‘الكيران‘‘ حيث تنتظم الرحلات إلى مناطق المغرب المختلفة. كان ديدنه الصبر في يوم طويل يكتب فيه رسائل بالعشرات بلسان المشتاقين للدوار والقصر والواحة.. وكان الجزل كبيرا. استطاب دور البطل، وكان يضع رجلا فوق الأخري، يكتب عليها وهو يدخن سيجارة قدمها له أحد المنتظرين في الصف. كان ينظر إليهم من فوق.

في الحي، قادته المعرفة بالخبايا إلى تصنيف الناس حسب غايات التراسل وكان يغير تفاصيل وجهه بسرعة منتقلا بين وسط..وآخر. أمام ‘‘الضالة‘‘ فتوة الدرب كان ينحني صاغرا لدرحة تقترب من الاستواء  بالأرض وهو يترجم جملة من الدارج إلى العربية الفصحى أنيقة يطرزها بالكثير من المحسنات البلاغية. كان الضالة الذي غادر الدراسة من قسم الشهادة الابتدائية قبل عقدين، يحب فتاة تدرس في السنة الخامسة من الثانوي، وأصر على أن يقتحم قلبها بالكلمة، بعد ما فشلت كل الطرق الأخرى بما فيها التهديد. رأى  ‘‘الضالة‘‘ أن عبد  العالي قد يكون مفتاحا لقلب الحسناء الصغيرة.

أمام شخصيات الحي الأخرى كان يغالبه التنمر فيطلق لسانه سوطا لايرحم. في آخر الليل كان ينتشي طربا مع فرقة ‘‘اللقايجية‘‘ في حانوت باعمر صانع ‘‘لبنادر‘‘ ويحتسي شرابهم على آخره، قبل أن يفتح الدفتر ويشرع في صرفه ..كلمات.

في منتصف يوم صيفي مشهود، أمسك ‘‘الضالة‘‘ بعبد العالي من ياقة قميصه على حين غرة. كانت اللحظات الموالية عبارة عن مباراة ملاكمة من طرف واحد. احتشد جمع غفير ظل على الحياد لأن لا أحد كان قادرا على التدخل أمام ‘‘الضالة‘‘. نال عبد العالي نصيبا وافرا من ‘‘دلقيم‘‘ و‘‘الرفع‘‘ و‘‘الجر‘‘ ولم تصبح مشاعر المواساة ممكنة إلا بعد انتهاء ‘‘السلخة‘‘. عندما ظهرت أسباب الاعتداء الشنيع قال أحدهم ‘‘ويستاهل تا هو.. ما تيحشمش‘‘.

كان ‘‘الضالة‘‘ قد توصل برسالة موقعة باسم معشوقته تدعوه للقاء عاجل في حديقة قريبة من الحي. اعتبر أن قلب الحسناء الصغيرة دان له أخيرا، فسارع الخطى إلى مكان الموعد، حيث لم يمض وقت طويل قبل أن يكتشف أنه كان ضحية خدعة من منافسين له في صراع عضلات دام لسنوات. هناك، لم يجد وجه معشوقته، بل سمع قهقهات من أفواه متنمرة تربصت حوله من كل مكان. بعد تحر سريع، اهتدى ‘‘الضالة‘‘ إلى المخططين، ثم إلى عبد العالي الذي استعمل، عن غير قصد، في السخرية منه.

حكايته مع جاره، أستاذ الفلسفة، كان لها وقع أكبر في نفس عبد العالي. أظهر الجار بعض معالم الاضطراب النفسي بسبب تراكم أحداث اجتماعية، ما دفع عبد العالي لتفاديه قدر الإمكان. في أحد الأيام، طلب الجار من عبد العالي أن يرافقه للبيت لأنه كان راغبا في كتابة رسالة خاصة جدا. قال عبد العالي وهو يحاول التملص من الورطة ‘‘شوف يا أستاذ.. أنت قاري وتقدر تكتب لي بغيتي.. أنا تكنتكب غير للي ما تيعرفش‘‘. أصر الجار على طلبه ورد ‘‘ما نعرفش نكتب بحالك أ عبد العالي.. أسلوبك راقي وقلمك متميز‘‘. تحت وقع الإطناب، انصاع عبد العالي وقرر تلبية رغبة الجار.

بعد دقائق كانا معا في صالون الطابق الأول لبيت الجار. جلس عبد العالي وأمامه ورقة وقلم حبر جاف. جلس الجار أمام عبد العالي ونطق بجملته الأولى مخاطبا عبد العالي :

اكتب.. من الأستاذ (...) إلى ملك السماوات.. لماذا تضع نظارتين سوداوتين على عينيك ؟

طار عبد العالي من مقعده وقذف القلم بعيدا. من الخوف.. التهم درج بيت الجار بخطوات كبيرة كاد أن يقع على أم رأسه في آخرها. لم يتفس بعمق إلا بعد أن صار في الشارع. بعض دقائق، كان من بين المجتمعين حول باب بيت الجار، في وداعه الأخير قبل أن ينقله ممرضو مستشفى الأمراض العقلية إلى برشيد.

كان حادثا فاصلا بين زمنين في رحلة عبد العالي ‘‘لكتاتبي‘‘.

تعليقات الزوّار (0)