حساب سي موسى

الأربعاء 13 يناير 2021
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

استمتع سي موسى لسنوات طويلة، وفي صفاقة أصيلة، بفضول السذج من أهالي البوادي المتاخمة لأرض الرباط في الأسواق الأسبوعية. كان يصل دائما في ساعة متأخرة للسوق دون أن يهتم لأمر الرقعة الأرضية التي سيفرش عليها طاولته، فحتى التجار كانوا يستقبلون حضوره بكثير ترحاب ولم يضعوا تجارتهم في المنافسة معه لسببين. من أجل لحظات فرجة خاطفة، وترقبا لكثافة ‘‘زبونية‘‘ مفترضة. كان بارعا في إبداع نكت مرتجلة من وحي اللحظة ‘‘لتقريع‘‘ هذا المشارك في اللعبة، أو ‘‘ازدراء‘‘ ذلك المتابع. زادت عذوبة لسانه في إقبال الناس عليه.

كانت لعبته التي زادتها عبارته الشهيرة ‘‘رباح.. رباح.. رباح‘‘ استحسانا في آذان الفضوليين تقتضي أن يعثر المشارك على القطعة النقدية بين الكؤوس المقلوبة الثلاثة. بعد عشرة مشاركات فاشلة يستهزئ فيها بالمتبارين كيفما شاء، كان يختار أحدهم ليفوز درءا لكل اتهام باستحالة الفوز. كان يأخذ من كل مشارك ‘‘عشرة دريال‘‘. في آخر النهار كان يحصل على مبلغ لا بأس به، ثم يجمع ‘‘الطابلة‘‘ مودعا الحاضرين بقفشات متوعدة بالمزيد من التهكم والسخرية في الأسبوع الموالي.

ثم جاءت المغامرة الأسبوعية التي ستغير حياة سي موسى. مارس ‘‘ساديته السحرية‘‘ كالعادة على البسطاء في السوق الأسبوعي ذلك اليوم، وتجمع حوله حشد من المتابعين. ظل يصفق ابتهاجا بين كل لازمتين من عبارته الشهيرة ‘‘رباح.. رباح.. رباح‘‘ وهو يطلق لسانه شماتة في أصحاب المحاولات الفاشلة. بين الفينة والأخرى كان ينزل براحة يده على قفا يافع اجتهد في الوصول إلى مكان قريب من ‘‘الطابلة‘‘، ظل يحملق في أسفل الكؤوس محاولا كشف سر ‘‘اللعبة‘‘.. مع كل ‘‘تقرفيضة‘‘ كان يخاطبه سي موسى بمهانة ‘‘فهمو ليها تا الشخوشة.. بقا غير الدحوشة‘‘. ثم ينفجر المكان ضحكا.

وبينما انهمك سي موسى في تقريع اليافع ونشر الدعابة في الحلقة، برز طيف شابة سمراء بعيون سوداء رائعة. كانت ترتدي جلبابا ونقابا كعادة نساء تلك الفترة من منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبسرعة تحولت الأنظار عن سي موسى لأول مرة في حلقته. ساد صمت ثقيل دام للحظات بددته الحسناء بطلب اللعب بصوت دافئ خفيض. قبل سي موسى التحدي وفي قلبه رغبة من الاقتراب من المتحدية الجديدة. فعل الحاوي أفاعيله في الكؤوس الثلاثة ورفع يده مفسحا المجال للشابة لتحديد في أي منها ترقد القطعة النقدية. نجحت في تخمينها. أعاد سي موسى الكرة.. فأعادت النجاح..ثم ثلاث مرات.. فأربع.. فخمس.. دون أن تخطئ في كل مرة. حبس الحاضرون أنفاسهم محاولين استيعاب ما يجري، فيما ابتلع سي موسى لسانه وحدق في عيونها مليا وهي تغادر الحلقة. حفاظا على ما تبقى من ماء الوجه، تذرع سي موسى للحاضربن بعاجل غير متوقع وأنهى الحفلة بسرعة. ثم اقتفى أثر الشابة في طريق خلاء خارج الدوار. قبل أن يصل إليها توقفت واستدارت نحوه. ثبتت عينيه بنظرة مخترقة. تسمر سي موسى في مكانه مسلوب الإرادة. ثم قالت : سميتي شامة.

دام زواج سي موسى وشامة 8 سنوات عاش معظمها معها في بيت العائلة نواحي زعير. اكتشف أنه ساحر مبتدئ وهو يعاشرها، وتعلم أساليب أخرى لخداع الناس في قلب بيت شامة، ذي الماضي التليد في ألاعيب السحر والشعوذة. تنحدر شامة من أسرة امتهنت الخداع من زمن بعيد، لذلك كان كالتلميذ ينفذ ما تطلبه الحسناء الساحرة ويجمع المال بلا هوادة. كانت الخدعة الأكبر التي تعلمها مع رفيقة الدرب، والتي احترفا بها في إفزاع سكان العقارات بدعوى أنها مسكونة، هي العرض الأكثر إقبالا من طرف مافيات المستفيدين من الإفراغ. كان يكفي أن يدخلا بيتا أو شقة لتشتعل نيران دون سبب في كل أركان البيت بعد نثر مسحوق غريب يأتي من دولة إفريقية بعيدة. أيقونة الخدع مكنتهما من جمع ملايين السنتيمات.

استفاق سي موسى ذات صباح في بيت مهجور في منطقة معزولة في هضاب تادلة. لم يستوعب ما الذي حصل، فقد نام الليلة السابقة في حضن شامة في بيت الزوجية، إلى أن وجد ورقة صغيرة مدفونة في بلغته. كتبت فيها شامة : ‘‘هذا حسابك ا سي موسى. إلى اللقاء‘‘.

أخذت شامة معها كل سنتيم جمعاه في زيجتهما الشيطانية وتركته في الخلاء. لم يعثر لها على أثر في سنوات بحث مضن استنزفته. تاب سي موسى وأصبح لا يفارق المسجد. كان يسرح طويلا بين صلاة وأخرى ويتمتم بصوت يكاد يكون مسموعا ‘‘ هذا حسابك ا سي موسى‘‘.

 

 

 

 

تعليقات الزوّار (0)