نوال السعداوي: تشفي الجهل في العقل بعد الرحيل

الثلاثاء 23 مارس 2021
عن جريدة "الأحداث المغربية"
0 تعليق

AHDATH.INFO
لامجال إطلاقا للاستغراب من موقف بعض المتطرفين الذين شمتوا، وتشفوا في وفاة الدكتورة نوال السعداوي، التي رحلت للتذكير عن سن يناهز التسعين أو أكثر بعد حياة حافلة بالعطاء، أمضتها تجاهر باختلافها مع السائد، وتجد لذة في تعذيب من ألفوا سماع الصوت الواحد، ولم يستطيعوا رغم مرور القرون العديدة عليهم تعويد آذانهم والعقول على تقبل كلمة واحدة لا تروقهم.
لا داعي للاستغراب من موقف المتطرفين، فهم أصلا يحرمون العيش وآياته، وهم يفتون بجواز قتل المخالفين، وهم يصدرون الفتاوى تلو الفتاوى ضد كل من عارضهم أو قال لهم مالايروقهم، ولا إشكال لديهم أن يموت الناس أو أن يقتلوا أو أن يقطعوا طالما اعتبروا أولئك الناس محسوبين على من قرروا لهم أنهم لن يدخلوا الجنة أبدا.
المسلمون العاديون، أنا وأنت والآخر والأخرى، والذين يعرفون حقا أنهم لن يدخلوا الجنة بحسناتهم بل برحمة الله التي وسعت كل شيء، والذين يعرفون أن الله غفور رحيم، يعرفون أيضا أن هؤلاء المتطرفين وفكرهم هم الآفة الكبرى التي ابتليت بها هاته الأمة حتى كرهها الجميع، وحتى صار العالم، شرقا وغربا شمالا وجنوبا، يخشانا ويخافنا بمجرد أن يرى سحناتنا ويتصور أننا جميعا على الشاكلة إياه: هواة قتل، ومدمنو موت، ودعاة فتنة وفناء…
الدكتورة نوال السعداوي، ليرحمها الله وليرحم عقلنا الجماعي معها، فطنت قبل الوقت بوقت كثير إلى أن المعركة الفعلية التي تعطل عقل هاته الأمة عن التقدم هي المعركة مع هذا الفكر بالتحديد، لذلك جاهرت بالاختلاف، ولذلك كتبت اختلافها مؤلفات ومقالات وبحوثا ودراسات وهي تعرف أن الأغلبية الغالبة من الأمة لا تقرأ، لكن رهان الدكتورة، رحمها الله، كان على المستقبل وعلى الامتداد القادم للأيام، وعلى الأمل أنه سيأتي يوم علينا نلد فيه أحفادا أو أحفاد أحفاد أو أجيالا أخرى بعيدة تكون قادرة على القراءة، وعلى الفهم، وعلى النقاش السليم، وعلى الاستيعاب للاختلاف، وعلى القدرة على تقبله، وعلى كثير الرحابة، وعلى كثير العلامات الدالة على الحياة..
لم ترد الدكتورة أن تراهن على الموتى لأنها تعرف أنهم موتى.. راهنت، وهي الطبيبة المعالجة لأمراض الصدر والتنفس، على القدرة ذات يوم على استنشاق هواء نقي بعيد عن الهواء الملوث الفاسد الذي حشرته الأفكار المتطرفة في عقول العديدين، فمنعت عنهم أوكسيجين الحياة.
لذلك لااستغراب أن يشمت هذا المتطرف في الوفاة، ولا تعجب أن يتشفى الآخر في الرحيل، بل ولا مفاجأة أن تصل الحقارة بهؤلاء حد التعريض بشكل السيدة لأنهم لم يستطيعوا مجاراة ذهنها المتقد المشتعل.
لااستغراب من كل هذا لأنه عصر ردة، ونحن لا نسب عصرنا بل نصفه، تماما مثلما وصفته الدكتورة، وهي تحلم، بل تؤمن، بأن الغد سيكون أفضل يوم نستفيق.
رحم الله الدكتورة نوال السعداوي. رحم الله هاته الأمة.

تعليقات الزوّار (0)