الشعب يريد والأيام تريد...والله يفعل مايريد!

الأربعاء 12 ماي 2021
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO
شبه يوميات لرمضان 2021 والعيد...
بقلم: المختار لغزيوي

في البداية كان الشعب يريد صلاة التراويح. خبر حظر التنقل الليلي طيلة الشهر الفضيل طغى على ماعداه من أخبار في المغرب بداية شهر الصيام، والنقاش كله كان حول صواب قرار مثل هذا من عدمه في ظل تطور الحالة الوبائية بسبب كورونا ومافعله كورونا في الناس
انقسم الناس إلى طائفتين إحداهما فهمت وتفهمت وقالت إن الضرورات تبيح المحظورات. والثانية قالت "لايمكن ألا نصلي التراويح في رمضان" مع أن التراويح ليست فرضا وغضبت وخرجت تصلي الشارع مما اعتقده الناس دائما طيلة الشهر، لكن الحماس خف وانتهت القصة بتدوينات هنا وتغريدات هناك والسلام..
في المنتصف كان الشعب يريد تعويض أصحاب المقاهي الذين لايشتغلون ليلا بسبب حظر التنقل الليلي ولايشتغلون نهارا بسبب الصيام.اقترح البعض تعويض العاطلين منهم بمال يساوي مال القهوة السوداء التي تستهلك في العادي من الوقت، واقترح البعض الثاني استخدام ويفي المقهى نهارا وأداء مقابله تعويضا عن المشروبات غير المستهلكة، واقترح بعض ثالث أن يتطوع لإيصال "ديك البركة" حتى منازل الجالسين في بيوتهم ينتظرون انبلاج الغمة وارتفاع الوباء والبلاء، واقترح الكثيرون كثير الأشياء سرعان مانسوها بعد أن تطورت الأمور في اتجاهات أخرى، وهاته هي العادة: حدث جديد ينسيك الحدث الذي سبقه وهكذا
في المنتصف دائما كان الشعب يريد اللقاح للجميع. ذهبت تلك الحكاية الملتبسة الأولى التي كانت تتهيب من الأسترازينيكا والسينوفارم وبقية التنويعات الآتية بالشفاء من هذا الوباء اللعين الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وعوض التخوف من وضع الشريحة في اللقاح آتى تخوف آخر من ألا يكون عدد الجرعات المتوفرة من اللقاح كافيا لتحقيق مناعتنا أجمعين
وجد الشعب الذي يريد الطريقة الملائمة لكي يتبرم من وتيرة التلقيح مع أن كل الدراسات المتابعة تقول إن المغرب في مقدمة البلدان في هاته الحكاية بالتحديد، لكن هذا الأمر لايهم كثيرا من يريدون دوما شيئا يقولون إنهم يريدونه. ومرة أخرى لم تصمد حكاية التبرم من وتيرة التلقيح طويلا، إذ عوضتها حكايات أخرى رمضانية استطاعت هي الأخرى لفت الأنظار...
في المنتصف دوما أو بعده بقليل كان الشعب يريد ألا يموت الطيب. انتفضت الناس لموت تلفزيوني مشخص، هي التي تمر قرب الموت الحقيقي والعادي كثيرا دون أن تلتفت لتفاصيله المؤلمة، ووجدت في موت شخصية في مسلسل تلفزيوني مغربي الفرصة لكي تلتئم حول منتوج محلي لها يعوضها عن الفرار الدائم نحو الأجانب وأعمالهم، ووجدت كذلك في الأمر فرصة لكي تحتج على الموت المباغت في الحقيقة وفي التمثيل الذي لايترك للناس فرصة قول كلمة حب واحدة لمن يحبونهم وسط زحام وصراع الوجود الضاري، قبل أن يكتشفوا أن الأمر غبي حقا وأن الوقت لا يرحم.
تصور الناس أن المظاهرات ستخرج في الشوارع مطالبة بإحياء الطيب وإعادته إلى المسلسل إياه، لكن شيئا من ذلك لم يتم، إذ أن أحداث الحبكة الدرامية الرمضانية كانت ملئى بالمزيد من التطورات
قبل النهاية بقليل كان الشعب يريد فقط أن يعرف كيف تحول ابراهيم غالي إلى محمد بن بطوش. زعيم الانفصاليين المضحك استطاع القيام بعملية تحويل إسمي وليس جنسي، ومكنته الجزائر المنشغلة بحاله من دخول إسبانيا في غفلة من الجميع، أو تقريبا من الجميع، لأن المغرب علم بالخبر ووضع إسبانيا المستضيفة والجزائر المهربة في موقف محرج لهما معا.
إسبانيا قالت على سبيل التبرير الواهي إنها اقترفت مااقترفته لأسباب إنسانية لم يدركها أحد، والجزائر لم تبرر لأنها تعودت أن ترتكب الكبائر وأن تداريها بالصمت عليها وتمثيل دور من لم يقترف شيئا.
اعتقد العديدون أن بن بطوش لن يغادر جسد غالي إلا والجثة تعود إلى الجزائر لإكرامها بالدفن الأخير، لكن الحكاية ظلت تبحث عن مرفأ نهائي لها يعين متتبعيها على إيجاد تفسير لها لا يعيد العلاقات إلى نقطة سوء الفهم الكبير...
في النهاية أو قبيلها بقليل القليل كان الشعب يريد تحرير فلسطين. في هاته القصة بالتحديد تفقد الكتابة الطريفة أو المرحة روحها الخفيفة، ويصبح الموضوع سمجا ثقيل الدم، غير مقدور على تحمله بالنسبة لمن كان ممتلكا لقليل مروءة أو إنسانية
تلك الحكاية هناك تبدأ بالموت، ويتوسطها الموت، وتنتهي بالموت. لا وجود فيها للحياة، والضالعون فيها غربان شؤم من الجانبين معا. دعوكم من الشعارات التي يتغني بها الطرفان، وهما طرفان وموجودان فعلا ومسؤولان حقا عن كل ذلك الدمار.
دعوكم من الأناشيد ودعوكم من دعاء البعض على البعض بالفناء القريب. تلك الحكاية عنوان فشل الإنسان في التقرب من أخيه الإنسان، وعنوان اعتداء على المكان المقدس المسالم بتحميله كل جرائم الكون، وعنوان ضيق حقيقي وعجز تام عن استيعاب أصحاب ديانات سماوية لبعضهم البعض في أرض اختارتها السماء لكي تكون مكان ذلك الاستيعاب
لايفرح لما يجري في فلسطين إلا متخلص من إنسانيته، ولا يطالب بالمزيد من القتل والدمار باسم الشعارات الكاذبة كلها إلا متجرد من آدميته، يريد رؤية الموت في كل مكان..
الشعب يريد أشياء كثيرة، يردد إرادته هاته أحيانا عن فهم كامل، وفي الأحايين الأخرى يردد وكفى. يمضي الشهر الفضيل إلى انتهائه، حاملا للعام الثاني نكهة عدم الاكتمال بسبب الوباء والأجواء التي فرضها الوباء. يأتي العيد السعيد متثاقلا، يسأل المحتفلين به عن كيفية استقبالهم له، ويسألهم عن الأهم...عن القادم الذي يشغل البال منهم، عن المستقبل وعن شكله، وعن مدى تطابقه مع الشعب ومع مايريد..

تعليقات الزوّار (0)