التربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة نقلة نوعية في سيرورة إصلاح منظومة التربية والتكوين

الأربعاء 19 ماي 2021
متابعة
0 تعليق

AHDATH.INFO

شرع قطاع التربية الوطنية في إدماج التربية الدامجة ضمن المنظومة التعليمية في وقت مبكر، وذلك تفعيلا لمضامين التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب والمتعلقة بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة وضمان حقهم في التعلم، وجاءت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 الصادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي في رافعتها الرابعة لتنص على تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة أو وضعيات خاصة وليلزم القانون الإطار51-17 بعد ذلك، باعتباره قانونا ملزما للدولة والمجتمع، في مادته الرابعة والمادة 25 على إلزامية الولوج إلى التربية والتعليم  لكل الأطفال من السن 4 إلى 16، دون تمييز٬ لتبادر الوزارة٬ بعدئذ إلى الترجمة  الفعلية لأحكام هذه المادة من خلال تخصيصها المشروع 4 لتمكين الأطفال في وضعية إعاقة أو وضعية خاصة من التمدرس الذي يتضمن جملة من التدابير الإجرائية  الهادفة إلى تأهيل الأطفال في وضعية إعاقة للدمج المدرسي عبر إكسابهم التعلمات الأساس التي تمكنهم من ولوج المسار الدراسي العادي إسوة بأقرانهم من المتعلمات والمتعلمين، مع مواكبتها باستراتيجية تواصلية لتعبئة مجتمعية شاملة اعتمدت خطة تواصلية ناجحة،  شملت  الإخبار والتحسيس لمحاربة التمثلات السلبية والصور النمطية  وتعبئة كافة الفاعلين والشركاء، عبر لقاءات تواصلية و إبرام اتفاقيات شراكة وتعاون مع الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة والجهات والهياكل المدنية في النسيج المدني لتنزيل البرنامج الوطني على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي.

فإلى أي حد استطاعت الوزارة تأمين حق هؤلاء الأطفال من بناتنا وأبنائنا في التعليم، وما هي الآليات التي اعتمدتها في تحقيق ذلك؟

تشكل التربية الدامجة أولى أولويات قطاع التربية الوطنية، ويعكس ذلك تضمينها في برنامج العمل الذي قدمه سعيد أمزازي الوزير الوصي على القطاع أمام أنظار صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، خلال محطة الدخول المدرسي 2018-2019 بتاريخ 17 شتنبر 2018 ، والذي تم تفعيله بإعطاء الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني للتربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة بتاريخ 26 يونيو 2019، تحت شعار:" لن نترك أي طفل خلفنا " تفعيلا للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى جعل المنظومة التربوية منظومة دامجة شاملة ومنصفة، تحقق المساواة وتكافؤ الفرص في ولوج المدرسة للجميع، وتدعم التمدرس في صفوف التلميذات والتلاميذ في وضعية إعاقة وتعمل على تأهيلهم وتيسير اندماجهم وتمكينهم من التعلم واكتساب المهارات والكفايات اللازمة ومن أجل دعم تنزيل هذا البرنامج الوطني٬ تم التوقيع على عدة اتفاقيات شراكة وتعاون مع الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة.

ومن حرصها على ضمان تعليم جيد لهذه الفئة من التلميذات والتلاميذ بإكسابهم كفايات تعليمية تعلمية أساسية تمكنهم من الاندماج بسهولة ضمن مختلف مكونات المدرسة، عملت الوزارة على المستوى البيداغوجي، على وضع إطار مرجعي جديد للتربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة بدعم تقني من منظمة "اليونسيف" وتضمينه مرجعية الكفايات الخاصة بالأطفال في وضعية إعاقة، وكذا عدة للتكوين الأساس والمستمر للمدرسين، إلى جانب تكييف مواضيع الامتحانات الإشهادية على مستوى الأسلاك التعليمية الثلاثة وظروف الإجراء والتصحيح لفائدة التلاميذ في وضعية إعاقة صونا لحقهم في الإنصاف.

وعلى مستوى بنيات الاستقبال تم الرفع من عدد القاعات المحتضنة لهؤلاء الأطفال إلى 1868 قاعة للموارد والدعم والتأهيل والرفع من نسبة المؤسسات التعليمية بها لتصل إلى 20% يستفيد من خدماتها 8107 تلميذة وتلميذ في وضعية إعاقة خلال الدخول المدرسي 2020-2021 ، مقابل 700 قاعة (قسم مدمج سابقا)، كانت تضم حوالي 8 آلاف تلميذة وتلميذ، خلال الموسم الدراسي 2019-2020، بنسبة تغطية 20% في المائة من المؤسسات التعليمية، وتطمح الوزارة في أفق الموسم الدراسي 2027-2028 أن تغطي قاعات الموارد للتأهيل والدعم نسبة 100%من المؤسسات التعليمية، علما أن ما يفوق من 93,000 تلميذ(ة) في وضعية إعاقة يتابعون دراستهم بالمؤسسات التعليمية مع باقي أقرانهم دون أي تمييز.

وواصلت الوزارة مجهوداتها بالقيام بالتتبع الفردي والبيداغوجي للطفل في وضعية إعاقة وتطوير برمجية معلوماتية لتحسين القراءة لدى الأطفال الصم في سن مبكرة والمساعدة على إنتاج معينات وأدوات تعليمية بلغة الإشارة، وإدراج الدروس المصورة عن بعد الموجهة إلى تلاميذ المستوى الأول والثاني بالتعليم الابتدائي بلغة الإشارة وتهييئ مشروع إطار مرجعي وطني من أجل ملاءمة نظام التوجيه المدرسي والمهني. ليتعزز هذا المجهود بإحداث وحدة إدارية مركزية تابعة لمديرية المناهج مكلفة بالتربية الدامجة، ومصالح للتربية الدامجة على مستوى جميع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وكذا إصدار مقرر وزاري يؤطر جميع التدابير الرامية إلى تفعيل هذا البرنامج والارتقاء به من أجل مدرسة دامجة.

كما عملت الوزارة على الرفع من نجاعة وجودة خدمات المؤسسات التربوية الدامجة للأطفال في وضعية إعاقة من خلال خارطة طريق تم إعدادها على مدى ثلاث سنوات 2019-2021 تشمل تعزيز العرض المدرسي والارتقاء بالنموذج البيداغوجي، وعلى مستوى الحكامة تمت تقوية الإطار القانوني لدمج الأطفال في وضعية إعاقة وتطوير الشراكات الداعمة للتربية الدامجة، فضلا عن التعبئة المجتمعية من خلال تحسيس وتعبئة مختلف المتدخلين والشركاء.

مدرسة علال بن عبد الله الابتدائية بمدينة الرباط نموذج يحتذى به وفضاء يتسع للأطفال من جميع أصناف الإعاقة

تتوفر هذه المؤسسة التعليمية على قاعة الموارد للتأهيل والدعم يستفيد من خدماتها 12 تلميذة وتلميذا في وضعية إعاقات مختلفة، وكذا أقسام عادية تحتضن هذه الفئة من المتعلمات والمتعلمين من التعليم الأولي إلى المستوى السادس ابتدائي، تؤطرها جمعية "مباركة للتنمية الاجتماعية"، التي تشرف على توفير طاقم من المساعدين الاجتماعيين واخصائيين في علم النفس وفي تعديل النطق وكذا أخصائيين في كل صنف من الإعاقة، حيث يستفيد هؤلاء التلميذات والتلاميذ من حصصهم الدراسية كاملة ومن ظروف التكييف. وتنظم المؤسسة التعليمية لقاءات تواصلية منتظمة مع الأمهات والآباء، إلى جانب دورات تكوينية لفائدتهم، وكذا تكوين المربيات والمربيين بتنسيق مع جمعية الأمهات والآباء.

الأستاذة لعميري حفيظة استقبلتنا ببشاشتها المعهودة وهي تحاول ثني أحد التلاميذ في وضعية إعاقة الذي رفض رفضا قاطعا إتمام حصته التعلمية ويريد اللعب، لتؤكد لنا على مقاربتها الخاصة في تعليم هؤلاء الأطفال وفي تحبيب حصة التعلم لديهم. و عبرت لنا عن سعادتها وهي تدرس هذه الفئة من الأطفال، من إعاقات مختلفة: الإعاقة البدنية والتوحد وإعاقة ثلاثي الصبغي، والشلل النصفي لحبها لمهنتها النبيلة وللوزرة البيضاء، مثمنة  مجهودات الوزارة في توفير قاعات الموارد للتأهيل والدعم  لفائدة هؤلاء الأطفال، معربة عن استعدادها لرفع تحدي تحقيق منظومة تربوية دامجة، رغم وجود صعوبات في التعامل مع هذه الفئة نظرا لتنوع إعاقتها،  فكل طفل يحتاج إلى تعامل خاص وإلى التحفيز من أجل بث الشغف لديه  من خلال التعلم واكتساب المهارات، مؤكدة أن هؤلاء الأطفال أذكياء جدا ويمكن استثمار مستوى ذكائهم في صقل مواهبهم ، مما يقتضي التحلي بالصبر وطول النفس، مطالبة ببرمجة تكوينات دورية للمؤطرات ووضع برنامج خاص وجدولة زمنية مع تضمينها أنشطة للعب مقرونة بالتعلم ليجد هذا الطفل متنفسا لترصيد مكتسباته.

الأب (س. ب) اب التلميذة (ه) التي تدرس بالمستوى الرابع ابتدائي، عبر لنا عن معاناته الكبيرة مع ابنته التي تعاني من إعاقة التوحد، التي تتطلب مجهودات إضافية وقدرات نفسية وبدنية، وأعرب لنا عن مدى سعادته وابنته في أحضان هذه المؤسسة التعليمية التي مكنتها من التكيف مع زملائها التلاميذ ومع أساتذتها ومن تعلم القراءة والكتابة والنجاح في آخر السنة بتميز، لتعبر لنا  التلميذة (ه) عن سعادتها وهي تدرس جيدا مع زملائها  وتحصل على نقط جيدة، كما أنها بارعة في الرسم وحصلت على جوائز وشهادات تقديرية وأمنيتها أن تعرض رسوماتها في المتحف الكائن مقره قرب مسجد السنة، بكل براءة.

أما  (ف. م) أم الطفل ( ز. س) المصاب بإعاقة التوحد، عبرت لنا عن حجم معاناتها مع ابنها،  وكيف استطاعت  مواجهة هذا التحدي بفضل رحابة هذه المؤسسة التعليمية وأطرها التربويين والإداريين،  مشيدة بحسن الاستقبال من طرف المؤسسة وأطرها التربوية والإدارية ولاحتضانها ابنها بكل رحابة دون ضيق أو ملل، وهي الآن مرتاحة لأنها استطاعت ضمان عمل قار كمؤطرة للأطفال  في وضعية إعاقة وفي نفس الوقت تواكب ابنها داخل المؤسسة التعليمية، بعدما خضعت لتكوينات عديدة على المستوى الدولي والوطني لأجل تعزيز قدراتها في التعامل مع إعاقة ابنها. لتعبر لنا السيدة نعيمة الزهاني مرافقة الطفل (ي.ب) مصاب بشلل نصفي عن ارتياحها كمرافقة لهذا التلميذ الذي يدرس بالمستوى الثالث ابتدائي بجد ويستفيد من التكييف وحافظ ل 60 حزبا من القرآن الكريم ونال جوائز وشواهد تقديرية.

جمعية مرآة للأطفال التوحديين بفاس نموذج لشراكة متميزة مع المجتمع المدني

السيد محمد بغدادي رئيس جمعية مرآة للأطفال التوحديين بفاس، في تقييمه للوضع الراهن لهذه الفئة من المتمدرسين تربية وتكوينا على ضوء مستجدات إصلاح المنظومة التربوية، اعتبر أن البرنامج الوطني للتربية الدامجة مكن بناتنا وأولادنا من الاستفادة على قدم المساواة مع الأقران من تربية تستجيب لطبيعتهم وحاجياتهم، وتراعي الفروق لديهم، إن على مستوى التربية بمفهومها الشامل، أو على مستوى التكوين الذي يكسبهم الكفايات والمهارات اللازمة لاندماجهم بشكل انسيابي في المجتمع.  وهنا يمكن القول، أن التعاطي الجديد لمنظومة التربية والتعليم مع الأشخاص في وضعية إعاقة، يعتبر مكسبا حقوقيا بامتياز وجب تحصينه والعمل على تنزيله لماله من أهمية بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة.

وذهب إلى أن المشروع 4  وفر مجموعة من آليات التمكين، منها تأهيل أطر الإدارة التربوية وهيئة التدريس للانخراط في إصلاح منظومة التربية والتكوين وجعله ضمن أهداف مشروع المؤسسة المندمج، وكذا آلية عرضانية مرتبطة بقطاعات حكومية كثيرة لها تأثير على نجاعة هذا التمكين المرتبط بالمحيط العام وبالسياسات العمومية على المستوى الترابي،  فضلا عن آليات أخرى مرتبطة بانخراط الجمعيات العاملة في المجال من أجل تنزيل سليم للمشروع وتحصين مكاسبه والعمل على خلق ديناميات على المستوى الترابي قادرة على الدفع بالمشروع الى اتخاد مساره المنشود،  وبالتمكين الثقافي والفني عبر أنشطة فنية دامجة لهؤلاء الأطفال تمكنهم من المشاركة في الحياة المدرسية والاستمتاع صحبة اقرانهم وتفجير الطاقات والإبداع. وهو ما يحقق فعليا مدرسة الإنصاف، لأنها لا تقصي أحدا بسبب الاختلاف بل تعتبره تنوعا طبيعيا يساهم في بناء التنمية المستدامة وتكافؤ الفرص، وتسمح بالاستفادة على قدم المساواة من كل الخدمات التي تقدمها المؤسسة التعليمية.

وأكد أن الشراكة مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة فاس مكناس ساهمت إلى حد كبير في القضاء على مجموعة كبيرة من العراقيل بهذا الصدد، حيث قنوات الاتصال مفتوحة بين جمعيتنا وكل مسؤولي الأكاديمية بحسب المصالح المختصة، وهو ما نعتز به ونثمنه ونعتبره ركيزة ودعامة أساسية لإرساء الإصلاح المنشود خصوصا فيما يتعلق بالمشروع 4 الخاص بهذه الفئة من المواطنين.

وبأجرأته الفعلية على أرض الواقع لكل التدابير الرامية إلى ضمان تربية دامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة، يكون قطاع التربية الوطنية قد قطع شوطا مهما في مقاربته الإصلاحية، وحقق إنجازات جديرة بالاعتبار كميا ونوعيا، إلا أنه رغم هذه الحصيلة الإيجابية، فما تزال هناك تحديات تستلزم انخراطا جماعيا، لعموم الفاعلين والشركاء والمتدخلين وتعزيز دور النسيج المدني، اعتبارا لكون المدرسة مسؤوليتنا جميعا، وشأننا الاجتماعي الأسمى.

تعليقات الزوّار (0)